*النورس* من الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله الله أكبر الله أكبر ولله الحمد : درس وتطبيق الورقة المطوية المتحركة ,,,, تم إضافة الفلتر في قسم نبراس الجرافيكس والتصاميم بسكوته من مو دري : ههههه ان شالله وان شاالله مااجاول ادووس واكسر العالم بروحي متكسرة هههههههه النبيلة من الغرفة : الحمد لله ع سلامتك بسكوتة ,, تاني مرة ديري بالك اكتر و كل عام و انتو بخير بسكوته من : : توني رديت من المستشفى كنت مسوية حادث سلااااااااااام كنوز الدنيا من العراق : السلام عليكم شلونكم كلكم اخباركم مشتاقلكم موت سلامي للجميع $$ كريستيانو $$ من OMAN : HI EVERY BODY! EID MUBAAARAAAAK midorookie من مصر : كل عام و منتدى النبراس بخير بمناسبة عيد الاضحى المبارك 25 فبرايـــــر من الكويــــــــــت : Criminal وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته عيدك مبااارك أخوي بو أحمد أعاده الله عليك باليُمن والخير والبركات وعسااك من العايدين والفايزيـن ^DANGER^ من q8 ma yabila : خيي كركور الشيب ، وانت بــ خ ــيــر وصــ ح ـــه و"سـلامــه" >>> لا تنسى تلبس حزام الامان CriminaL من KUWAIT : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ،،، كل عام والجميع بخير قبل الزحمه **الماضي** من UAE : عــاد عيدج يابلادي البصاص من ديار ابو متعب : هاي شله حاب اقول كل عام والشعب الاماراتي بكل خير وكمان ابغى اقــول ســوف تـقــل مشاركاتي في المنتدى بسبب الظروفـ يعني ان شاء الله مو اجازة 25 فبرايـــــر من الكويــــــــــت : كل عام وإمارات الخير بألف خير بمناسبة العيد الوطني لدولة الإمارات العربيه المتحدة وجعل أيام الإمارات كلها أعيااد بأعياااد وهي ترفل بأثواب العز والفخار عاشقة البحر من 2 ديسمبر : كل عام وإماراتنا بخير http://wwwalnebrascom/forums/t258439html#post3525797 white_rose من لندن : السلام عليكم حبيت اذكركم ان يوم الاحد 8/12 يصادف الوقوف بعرفه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن صوم يوم عرفة فقال : يكفر السنة الماضية والباقية رواه مسلم لا يطوفكم الاحر وليد الاحمد من دار الغربه : نجوم النبراس المتلألأة مع نسمات المساء الباردة , وإشراقة شمس الصباح الدافئة أتذكركم فذكركم يؤنس قلبي ويذهب وحشة وحدتي فأنتم معي وإن غبت عنكم

بحث مخصص

يوتيوب - صور - منتدى العاب - العاب - تحميل صور - بطاقات

العودة   منتديات النبراس > منتديات النبراس العامة > النبراس التعليمي والبحوث

النبراس التعليمي والبحوث لكل ما يهم الطلبة والباحثين نحو العلم


مـكـتـبــــــة الـنـبـــراس الـعـلـمـيــــــــه (( كتب + دراسات + مقالات ))

النبراس التعليمي والبحوث


إضافة رد
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #521  
قديم 02-12-2007, 06:26 PM
**( بــــدر )** **( بــــدر )** غير متواجد حالياً
VIP من مؤسسي النبراس
 
تاريخ التسجيل: 14-07-2001
الدولة: قلبي تولع بالرياض ... حباً ورثته من الجدوود
الجنس: ذكــــر
المشاركات: 25,901

نظريات التربية والتعليم في عصر الثورة الصناعية




يُعد عصر الثورة الصناعية في بريطانيا القرن التاسع عشر واحدًا من أهم الحقب في تاريخ البشرية، ليس فقط لأنه يمثل المرة الأولى التي تشهد تحول دولة زراعية نصف إقطاعية ونصف أبوية إلى دولة صناعية، بل لأن قدوم الماكنة قد أحدث تغيرات جذرية في المجتمع وفي طرائق تفكيره بالدرجة الكافية لإلقاء الشك على جميع المسلّمات الموروثة من العصور السابقة. وقد كان الشرخ بين الماضي والحاضر الذي أحدثته الماكنة(1)، رمزًا وكينونة مادية، وراء الكثير من التنظيرات والأفكار التي أطلقتها أذكى العقول آنذاك، مؤذنة بالبداية الحقيقية لما يسـمى بـ«العصر الحديث» الذي نحيا اليوم تحت تأثيراته وعلى ذبـذبة «ماكنته» الجبارة. وقد تناولت هذه التنظيرات والأفكار جميع نواحي الحياة والمجتمع، وبضمنها موضوعات المعارف والتربية والتعليم التي أرّقت المجتمع وهو يبحث عن أسس صلدة للتيقن في عصر جديد لا يمكن التكهن أو التنبؤ بمستقبله. وعلى الرغم من أن البعض منا قد يرى أن استقصاء فلسفات هذا العصر حول التربية هو نوع من الارتجاع اللامجدي إلى عصر زائل وطللي لم يعد فاعلاً اليوم، فإن على المرء أن يشير إلى أن الأسئلة التي استثارت أذهان الفلاسفة حقبة ذاك لم تزل قائمة ملحاحة حتى اللحظة، بينما تتواشج هذه الأفكار والتعقيدات الشائكة مع الأوضاع التربوية والثقافية في المنطقة العربية والإسلامية بقوة بسبب تطابق العديد من الظواهر والإشكالات التي نعانيها مع تلك التي أقضت مضاجع مفكرين أفذاذ كانوا من المسؤولين عن تشكيل الحقبة التاريخية الحديثة بكل أبعادها التي نحياها اللحظة.

المشهد الفكري والتربوي في عصر انتقالي

ولعله من نافلة القول الإشارة إلى أن الفلسفة التي مهدت الطريق للثورة الصناعية هي الفلسفة المادية - النفعية Utilitarianism ، وهي الوريثة الشرعية للفكر العقلي الذي أخذه الفيلسوف «جيرمي بنثام» Bentham ليعيد تشكيله ويغنيه على النحو الذي بشّر بالثورة الصناعية في بريطانيا، وعلى النحو الذي مكّن تلميذه، «جون ستيوارت مل» Mill، لأن يكون أبرز فيلسوف في العصر الفكتوري.(2) لقد روجت هذه الفلسفة للنظام التربوي الذي ساد حينذاك، وهو نظام قائم على حساب المنفعة المادية والعملية المرجوّة من التربية والتعليم، مشجعة التربية المهنية vocational التي تعتمد ما يسمى بالعلوم التطبيقية المفيدة لتدوير ماكنة الصناعة، والتي تفتقر في الوقت نفسه إلى أية أبعاد روحية وأخلاقية بالمعنى الديني والإنساني العام. وعلى الرغم من الفوائد الجمة التي قدمها هذا النظام التربوي في حقول العلوم الصرفة والعلوم التطبيقية التي أدارت عجلة الصناعة آنذاك، فإن هذا النظام أفرز عددًا هائلاً من الإخفاقات والإشكالات التي أحالت النشء والشبيبة إلى «مكائن» حفظ للمعلومات، وإلى «حواسيب» لا تفقه من الحياة سوى ما يسمى بمعادلة «المتعة - الألم»، الأساس الأوحد لكل عمل يضطلع به الإنسان، حسب تصورهم. وقد اعترض عدد من أذكى مفكري العصر على هذا النظام التربوي وحيد الجانب بسبب سحقه للإنسانية في دواخل المتعلمين، ونتيجة إحالة الصف الدراسي إلى ماكنة لـ«فرم» الطلبة وتخريجهم بصفة الـ«جنتلمان» (الرجل المهذب) الذي لا يمت بصلة إلى الخيال ولا يفقه شيئًا من الحياة الروحية.

ويبدو أن الصورة التي قدمها روائي هذا العصر رقم واحد «تشارلز ديكنز» Dickens، لهذا النظام التربوي في الصفحات الأولى من روايته الأوقات العصيبة Hard Times هي واحدة من أقوى تعبيرات الاحتجاج الثقافي على هذا النظام التربوي الذي يحيل الطلبة إلى مكائن لحساب وحفظ المعلومات فقط. ففي هذا الفصل الدراسي يقف المعلم وكأنه فوهة مدفع(3)، وهو يقذف بالمعلومات، كالقنابل على صفوف الطلبة الذين تموت فيهم ملكات الخيال والروحية والرومانسية من أجل امتصاص هذه المقذوفات المعلوماتية بدقة لحفظها وتكرارها في الاختبارات. بل إن الطالب في مثل هذا الفصل الدراسي يفقد حتى إنسانيته، ذلك أن عليه أن ينسى اسمه حال حضور الفصل كي يتحول من «إنسان» إلى «رقم». وهذا، بكل دقة، ما هزّ كيان الطالبة الصغيرة الجديدة القادمة من بيئة السيرك الخيالية والرومانسية «سيسي جوب»، حال استبدل باسمها الاسم الجديد «الفتاة رقم عشرين»(4).

آرنولد: النخبة ومركزية التعليم

وإذا كان هذا النظام التربوي قد خدم شرطًا مسبقًا لإطلاق الثورة الصناعية، فإنه قد أفرز كذلك عددًا من الرافضين الذين وجدوا فيه مسخًا لإنسانية الطالب وسحقًا لذلك الجزء الحيوي الأخلاقي والخيالي في دخيلته. واحد من أبرز نقاد هذا النظام التربوي هو ماثيو آرنولد Arnold الذي درس طبقات المجتمع الرئيسة (الأرستقراطية والوسطى والفقيرة) في كتابه المهم «الثـقافـة والفـوضى» Culture and Anarchy، ليخلص إلى تفنيد ادعاءات هذه الطبقات الثلاث بالسلطة والحكم. لقد لاحظ آرنولد أن الكنيسة الإنجيلية لم تعد قادرة على الاضطلاع بدورها التاريخي في تغيير المجتمع كما فعلت في العصور السابقة، كما أنه وجد أن الفلسفة هي عصية على الغالبية العظمى من المجتمع، الأمر الذي يحيّدها ويجعلها أداة غير مؤهلة لتثـقيفه. لهذا السبب، دعا آرنولد إلى تطوير نخبة أو صفـوة سراتيــة The Elite تجمع العنصرين الرئيسين الفاعلين في التاريخ، «الهيلينية» (الكلاسيكية الوثنية الإغريقية)(5) و «الهبرية» (الروحية الدينية الساميّة) في سبيل تحقيق نوع من التوازن المثالي بينهما لتحقيق الإطلاق الحر للأفكار. هذه النخبة، برأيه، لا يمكن أن تحقق أهدافها في الارتفاع بالمجتمع من خلال ترك التربية والتعليم ضحية لقانون «العرض والطلب» ولأفكار عدم تدخل الدولة في آليات التربية والمعارف. ولأن آرنولد كان يعد التعليم الأداة الأساس لإصلاح المجتمع ولتثقيف جميع الطبقات الاجتماعية، فإنه قد دعا إلى مركزية التعليم وإلى أن تدير الحكومة المستنيرة (التي تقودها النخبة) المؤسسة التربوية. وهنا هاجم آرنولد الفلسفة النفعية المادية السائدة التي كانت تدعو إلى خضوع التعليم، مع الاقتصاد وسواه من جوانب المجتمع، إلى آليات العرض والطلب والتجارة الحرة التلقائية والآلية.

كارلايل واستلهام الماضي

وإذا كان آرنولد قد أدرك مذ ذاك خطورة التعليم في تشكيل مستقبل المجتمع وضرورة هيمنة الدولة عليه، فإن «توماس كارلايل» Carlyle قد نجح كذلك في تشخيص أمراض الطبقات الاجتماعية الثلاث، مرتدًا إلى الماضي الإقطاعي الوسيط باحثًا عن خطوط دلالة يمكن أن تنقذ بريطانيا المعاصرة من أزمتها. وكان منطق كارلايل تاريخيًا في أبعاده دائمًا، ذلك أن الماضي مثـّل لديه الأساس الوحيد للتيقن بالنسبة لمستجدات عصر حائر لا يدري ما هو مستقبله(6). في كتابيه المهمين، «الماضي والحاضر» و«الأبطال»، هاجم كارلايل سياسة عدم تدخل الدولة Non-interventionism وترك كل شيء لآليات العرض والطلب العمياء. في الكتاب الأول، قدّم كارلايل صورة للحالة المأساوية التي يعيشها الشعب البريطاني تحت ظل الفلسفة المادية النفعية المتمادية في الحرية (الحاضر)، مقدمًا الدرس التاريخي (الماضي) كأداة لتصحيح الحاضر وكعصا لضرب اختلالاته. لهذا فإنه نظر إلى التاريخ بوصفه «رسالة تعليمية» Letter of Instructions يمكن أن تنير الحاضر وتستشرف المستقبل. وفي كتابه الأبطـال، ارتجع كارلايل إلى حياة الأبطال العظماء في التاريخ، خالصًا إلى أن المجتمع يكتنز في دواخله عناصر البطولة الجماعية وهو دائمًا بحاجة إلى تحرير هذه الطاقات البطولية وإطلاقها في قنوات بناءة عملاقة من خلال «ومضة» البطولة الفردية. وقد رصد كارلايل تاريخ حياة الرسول الكريم محمد بن عبدالله [ كأنموذج لكيفية استمكان واستجماع طاقات البطولة الجماعية في جزيرة العرب من خلال حياة رجل واحد (حسب طريقة التفكير الغربية) تمكن من أن يلوي القبائل التي لا تلتوي(7) لهذا أيد كارلايل نظامًا تربويًا يستلهم الماضي من خلال الاستحضار البطولي فيه، داعيًا كذلك إلى مركزية التربية والتعليم وإلى إدارة حكومية لهما تحيل تلك المراحل الحيوية الحية (فقط) من التاريخ إلى خطوط دلالة لإدراك الحاضر وبناء المستقبل. لقد ارتكز نقده لأنظمة التربية السائدة في بريطانيا عصره على فكرة رفض استعباد الماكنة للإنسان ورفض «مكننة» الإنسان نفسه، متمسكًا بفكر تربوي يعيد نظام الإقطاع الوسيط إلى علاقات العمل الصناعية الجديدة، حيث يكون النظام التربوي نظامًا «أبويًا» يروّج للعلاقات الروحية والإنسانية الحميمة التي يرتهن بها مستقبل المجتمع.

رسكن والجماليات الأخلاقية

أما «جون رسكن»Ruskin فقد اتخذ موقفًا مغايرًا تمامًا لما اعتمده الآخرون في أفكارهم التربوية. لم ينطلق هذا المفكر الكبير من تحليل لطبيعة اختلالات الطبقات الاجتماعية الموجودة حينذاك، بل اعتمد المنظور الجمالي ـ الأخلاقي moral - aesthetic لتشخيص اختلالات المجتمع ولاستمكان تجليات القبح فيه ومن ثم لتقديم علاجاته التربوية الناجعة. وهذا المنظور مؤسس على الملَكة البصرية optic faculty، حيث إنه رأى في قبح المدينة الصناعية الجديدة وفيما خلفته الماكنة من آثار وشروخ عميقة في نفس الإنسان وعلى الريف الإنكليزي دلائل اجتماعية ـ أخلاقية منظورة تشخص أمراضًا اجتماعية عميقة، ذلك أن تراجع الفن والجمال إنما يترك آثاره العميقة على علاقات البشر خصوصًا الشبيبة منهم، الأمر الذي يجعلهم محدودي التفكير، مختنقين في صوامع وبنايات صماء لا تُلهم الإنسان الإيمان الروحي الذي تتيحه الطبيعة. لقد وجد رسكن أن المدينة الصناعية هي «ثـقب جحيم» Hell Hole تسحق البعد الجمالي والروحي لدى الإنسان الذي تستعبده الماكنة درجة تحويله من سيد للماكنة إلى أداة ثانوية عمياء تساعد على إدارة عجلتها(8) لهذا السبب ارتجع رسكن إلى فنون العصر الوسيط ليبرهن بأن فناني ذلك العصر كانوا أمضى بصرًا وأعمق بصيرة في عكسهم لجمال الطبيعة ولآفاق السماوات المفتوحة بسبب إيمانهم بأن هذه الطبيعة المهولة إنما هي من خلق الله الذي شحنها بالجمال، درسًا أخلاقيًا وروحيًا لإنسان سعيد. وتأسيسًا على هذا دعا رسكن إلى مغادرة المدينة الصناعية وأجوائها الخانقة الملوثة، قائلاً إن على بريطانيا أن تأخذ أبناءها إلى الجبال والسهول والسواحل لينهلوا من الطبيعة حيث توفر الآفاق المفتوحة وغير الملوثة أبعادًا موازية في أذهان الشبيبة والنشء. إن حجم الكتلة الجبلية وهول الظل واللون غير المشوب بالتلوث يُدِل الإنسان إلى الإيمان الروحي من خلال دلالته إلى خالق هذه الطبيعة. وقد هاجم رسكن النظام التربوي الذي كان يحيل الإنسان إلى أداة ضئيلة في ماكنة كبيرة، أداة تقتل ذلك الجزء الإبداعي والذكي منه من خلال تحويله إلى «خادم» للماكنة بدلاً من أن يكون سيدًا لها. لهذا السبب هاجم رسكن إفرازات أسلوب الإنتاج الواسع الممكنن لأنها لا تعكس الطبيعة البشرية غير المعصومة التي يكتنفها الاختلال ونقاط الضعف، بل إنه روّج لطرائق العمل في العصر الوسيط لأنها عبّرت عن عدم مثالية الإنسان، لأنها عكست إيمانه الديني وتوقه نحو السماوات من خلال البنايات والصروح الصاعدة نحو الأعالي. لم يكن الإنسان في العصر الوسيط يعمل من أجل «محفظته»، بل من أجل أن تكون كل آجرة يضعها في بناء خطوة نحو الآخرة. لقد حوّل رسكن الدرس الجمالي إلى درس أخلاقي، داعيًا إلى «بدائية» مفادها أن الإنسان في الماضي كان سيدًا للأداة البسيطة التي كان يستعملها في الإنتاج، إن هذه السيادة حررت عبقرية الإنسان وعبقرية أصابعه كي تنجز أعظم الأعمال في تاريخ البشرية، وهي العمارة القوطية Gothic Architecture ، حسب رأيه. من هنا طلب رسكن من بريطانيا عصره طلبًا يصعب تلبيته: هو أن تتخلى عن الماكنة التي شطرت الشعب إلى شعبين، قلة الأغنياء وغالبية الفقراء. وقد جسّد رسكن نظريته التربوية من خلال مشروعه اليوتوبي الخيالي لتأسيس ما سماه بـ«نقابة القديس جورج»St. George Guild ، حيث يجتمع الفنانون اليدويون الرافضون للماكنة في كينونة اجتماعية مستقلة ونائية، في أحضان الطبيعة تكون فيها التربية ذات أبعاد جمالية ـ روحية مستقاة من توظيف الإنسان لملكاته الذهنية ولقدرات يديه التي تدله على عظمة الخالق وإمكانات الخلق. لقد كان مشروع رسكن برغم ذكائه وتبريراته مشروعًا خياليًا يصعب تنفيذه في عصر كان يندفع نحو الماكنة وإنجازاتها، غير آبه بالدعوة إلى البدائية الأولية التي كان رسكن يروّج لها(9) .

الكاردينال نيومن و«فكرة الجامعة»

وإذا كانت جميع هذه الأفكار المذكورة آنفًا تندرج في سياق التنظيرات التعميمية المدفوعة بهواجس الخوف على مستقبل المجتمع، فإن أفكار الكاردينال «جون هنري نيـومن» التي خطـها في واحـد من أهم كتـب العصـر «فكرة الجامعة» إنما تمثل رؤيا تربوية متكاملة الأبعاد على سبيل تأسيس جامعة في دبلن (أيرلندا الشمالية) يكون هو شخصيًا مؤسسًا ورئيسًا لها. لقد كرّس نيومن كتابه هذا أولاً، لفرز وتصنيف العلوم العقلية الصرف، وهي الفروع المعرفية الليبرالية، أو الدنيوية أو النافعة أو المهنية، كما كان يسميها في مواضع مختلفة، عازلاً إياها عن علم اللاهوت، العلم الذي يتناول ويعالج موضوعًا فوق - فكري.

فبالنسبة لنيومن يمكن للمعارف أن تطور العقل وتنقيه باعتباره عضو العقلنة والتفكير المتخصص. وهذه المعارف ينبغي، بحسب رأيه، أن تؤول إلى تنشئة «الجنتلمان» الذي قد لا يكون بالضرورة إنسانًا مؤمنًا حقيقيًا، ذلك أن «الرجل المهذب» يمكن أن يكون إنسانًا علمانيًا دنيويًا، إذ يجوز توقع تخرجه في كلية دنيوية أو قسم متخصص بأحد فروع العلوم الصرف أو التطبيقية، كالفيزياء.

فتخصصات عملية مثل هذه لا يمكن أن تزود تلميذها بالإيمان الروحي، بحسب خط نيومن الفكري. ولكن مخططه لجامعة دبلن أظهر أنه لم يلغ أو يستبعد أي واحد من فروع المعرفة الدنيوية الرئيسة أعلاه باعتباره فرعًا إلحاديًا أو مضادًا للمعتقدات الروحية. لقد تمكن ببلاغة قلَّ نظيرها في النثر الإنجليزي أن يقدم تبريرات ثاقبة لوجود وممارسة كل واحد من هذه الاختصاصات المعرفية، ولكنه وفي الوقت نفسه كان يحذر من مغبّة السماح لأي واحد من فروع المعرفة بالانطلاق في الفضاء المفتوح دون ضابط روحي، كي يتجاوز حدوده فيطغى. هذا هو عين الخلل النفعي المادي الذي كان الكاتب يحتج ضده. لقد حذر نيومن من خطورة إلغاء أو إسقاط أحد العلوم الدنيوية،(10) لأن هذه حالة شاذة تخل بالتوازن العام لرؤياه للكون المنعكسة في رؤيته للجامعة، باعتبار أن الثانية بتشعباتها المعرفية الشاملة انعكاس تصغيري للأولى.

ومن أجل أن يديم توازن المعارف في سلم تصنيفي دقيق، فإن نيومن استخدم ثلاث استعارات مهمة كي يعرض نظريته في التعليم الجامعي. هذه الاستعارات هي: دائرة المعرفة، وهرم المعرفة، وصورة الكائن العضوي. في الاستعارة الأولى «دائرة المعرفة» Circle of Knowledge ، برّر نيومن ضرورة إدخال الفروع العلمية المادية الرئيسة في الدائرة بقوله: «إننا نشكل ونثبّت العلوم في دائرة ونظام، ونمنحها محورًا وهدفًا، بدلاً من أن نتركها تتخبط هنا وهناك في فوضى يائسة» كما أضاف قائلاً إنه ليس من المفيد فقط أن نحافظ على كل واحد من تفرعات المعرفة في هذه الدائرة، ولكن «من المهم للغاية أن نصون التوازن المتقن بين العلوم ما دامت هي أصلاً متداخلة ومتبادلة الاعتماد على بعضها البعض». ثم أخذ نيومن يبرر التداخل والتوازن المتبادل بين مختلف المعارف أسلوبًا لنقد فكرة «تقسيم العمل» التي أسسها «آدم سميث» والتي غدت فكرة شائعة حينذاك، ذلك أن تقسيم العمل يعتمد على فصل أجزاء العمل الواحد عن الآخر لسهولة التعامل مع الجزء منفصلاً عن الكل. لقد أكد نيومن تفنيد الرأي القائل: «كما هي حال تقسيم العمل، هي إذًا حال تقسيم الفكر، أسلوبًا أوحد للتطبيق الناجح»،.أما نظرية نيومن فقد اعتمدت تداخل العلوم وترابط أغراضها في خدمة الإنسانية على نحو لا يشجع اجتزاء أي علم من دائرة المعارف المكتملة.

وبتضمين اللاهوت (كبؤرة) في نظامه المعرفي العام تكتمل الدائرة بإيجاد محور لها. وقد رسم نيومن صورة الأنظمة العلمية على نحو يقترب إلى حد كبير من صورة نظامنا الشمسي: الشمس (تمثل اللاهوت) ترتكز ثابتة في محور المجموعة، بينما تدور الكواكب الأخرى (العلوم الدنيوية والعملية والتطبيقية والإنسانية) حولها بانتظام دقيق لا يقبل الخلل.

إن اللاهوت (بمعنى العلوم الدينية المرتبطة بالخالق) الذي يحتل المركز الذي يمسك ويتمسك بالأجزاء الأخرى الدائرة، يتحول(في استعارة نيومن الثانية) إلى قمة هرم المعرفة، إذ تنتظم جميع العلوم باعتبار درجات تفوقها وأهميتها في ترتيب هرمي متصاعد من القاعدة العريضة نحو القمة التي يعتليها علم اللاهوت. وقد تمكن نيومن من أن يميز بين ثلاث طبقات من المعارف بحسب طبيعة المواضيع التي تتعامل معها العلوم: اللاهوت (موضوعه الله)، والأدب (وموضوعه الإنسان، بمعنى العلوم الإنسانية عامة)، والعلوم (وموضوعها الطبيعة، بمعنى العلوم التجريبية والفيزيائية).
وتأسيسًا على ذلك، هنالك ثلاثة مواضيع يستخدم العقل البشري نفسه فيها: الله، والإنسان، والطبيعة. فإذا ما وضعنا اللاهوت جانبًا في نقاشنا الحالي يتبقى أمامنا العالم الاجتماعي والمادي. وهذه المواضيع عندما تمتثل أمام العقل الإنساني تشكل سفرين: سفر الإنسان ويسمى «الأدب» وسفر الطبيعة ويسمى «العلم»، وهنا يبرز اللاهوت علمًا كغيره من العلوم، لولا أنه يتعامل ليس مع الطبيعة، ولكن مع مبدع الطبيعة هذا السمو هو الذي يجعل اللاهوت يقطع نصف المسافة بينه وبين العلوم الأخرى كي يلتقي بها جميعًا، إنه العلم الذي يستخدم الفكر وطرائق البحث العقلية ولكن في بحث موضوع فوق عقلي. وبهذا يغطي اللاهوت حقل الفكر الإنساني المحدود لغرض أن يجسر الفجوة بين الطبيعي والماورائي، ذلك أنه علم يتناهى إلى حدود الوحي، شارحًا وناقلاً وموصلاً بين هذه الحدود وبين الملموس المعقلن. ويقارن نيومن بين اللاهوت والعلوم الفيزيائية في محاولة لتبيان أوجه الاقتراب والتنافر بينهما لإتاحة صورة أوضح لطبيعة اللاهوت كما هي: إن طريقة اللاهوت الجدلية هي ذاتها طريقة العلوم الصرف، كعلم الهندسة، فهي طريقة استدلالية. أما طريقة الفيزياء ـ في البداية على أقل تقدير ـ فهي طريقة سعي تجريبي، أو استقرائي. هذه الخصوصية الكامنة في كلا الجانبين تنبع من طبيعة كل حالة. في الفيزياء تمتثل أمام الباحث كتلة هائلة دائمة التجدد من البيانات، وهي كتلة تشكل ركامًا غير منتظم، تتطلب الترتيب والتحليل. أما في اللاهوت فإن الظواهر المتنوعة تتطلب شيئًا ما، شيئًا لا يمكن للعقل إدراكه بمفرده. وهنا يقدم الوحي نفسه بديلاً لمساعدة الإنسان على كنه ما لا يمكن أن يبلغه بعقله وحده. إن ما هو ثابت في الدين هو ذلك الشيء المنزّل فقط ليس إلا، وهو مجموعة حقائق معينة تناهت إلى الإنسان مباشرة من خالقه في الأعالي، لأجل إدامة المؤمنين في آصرة مع السماء: اللاهوت يحتفظ لنفسه بشروط العلم كاملة، وهو كذلك يتطور عن طريق القياس المؤسس على مسلمات منطقية نحو الخلاصات المعرفية والوجودية.

وفي الاستعارة الأخيرة يذهب نيومن إلى استخدام تشبيه إغريقي الأصل، حيث يقارن العلوم المتنوعة بأعضاء وأنظمة الجسد البشري: الحواس تمثل العلوم الفيزيائية، وتمثل الذاكرة التاريخ، ويقف الخيال رمزًا للأدب، والقلب رمزًا للفلسفة (علم العلوم) (Idea , 46) . إن طبيعة وجود الكيان العضوي ورفاهيته تمتطيها وتؤثر عليهما قوة لا مرئية، طاقة غير ملموسة، هي الروح. ولهذا يرى نيومن أن اللاهوت يمثل بالنسبة لفروع المعرفة الأخرى الروح التي تمثل سر الحياة بالنسبة إلى الجسم (Idea, 398-9 ) إذا كان كل واحد من أعضاء هذا الكيان العضوي يستجيب لرؤية الفكر، فإن الروح لا تستجيب أو تتأثر بالعقل وبطرائقه المنطقية في التفكير، ولهذا يتفوق اللاهوت على غيره من العلوم لأنه يمثل وحدة الكائن البشري غير مجزأة.

خاتمة

ليس الغرض من هذه المراجعة العاجلة لأهم الأفكار التي طُرحت حول التربية والتعليم في عصر الثورة الصناعية هو مجرد استعراض مبتسر لفصل مهم من تاريخ الأفكار حول هذا الحقل العلمي والفكري الحيوي في تطور أي مجتمع، ولكن الغرض من هذه المراجعة يكمن في افتراضية وجود تناظر وتواز بين ما عاشه ذاك المجتمع مع ما نحياه اليوم من ظروف تستدعي الاستفادة من تجارب التاريخ وخبرات الأمم الأخرى، مع التسليم بوجود اختلافات وتناقضات بين الثقافات. إن الأسئلة التي تعرّض لها عمالقة الفكر الفكتوري هي بقدر تعلق الأمر بأنظمة التربية والتعليم، لا تنأى كثيرًا عن الأسئلة التي تؤرق الجادّين من التربويين العرب والمسلمين في عصر انتقالي مشوب بالمتغيرات التي تمس حياتنا الروحية وموروثنا الثقافي الثر. إن التوازيات عديدة ومتنوعة بالتأكيد: فمن ناحية أولى، تعيش مجتمعاتنا عصرًا انتقاليًا يغادر بسرعة فائقة بناه القديمة نصف البدوية ونصف الأبوية، حيث كانت تهيمن الأسرة والحياة الروحية على الفرد والمجتمع على نحو جوهري. ومن ناحية ثانية نرى التقنيات الحديثة وثورة الاتصالات والشبكات الرقمية وهي تغزو حياتنا الاجتماعية برفقة أعلى ناطحات السحاب التي تستزرع في بلداننا الحائرة بين الصحارى والبحار والوديان الخصبة. ثمة تطابق في الاستفهامات وتقارب في مسببات القلق، الأمر الذي ينذر بشرخ في فكرنا، شرخ يصعب تجسيره بين الماضي والحاضر، وبين التراث والمعاصرة، وبين القديم والمستقدم. وإذا كان مثل هذا الشرخ مدعاة لتأمل ومعالجات أصحاب الرأي وأولي الأمر في بلداننا، فإنه كذلك مدعاة لاستثارة تجاربنا وتجارب الآخرين، ليس من أجل إيجاد «حل سحري» لإشكالات المعارف والتربية والتعليم، بل من أجل إثارة الأسئلة وأنشطة تبادل الرأي حول واحد من أهم المواضيع التي تستحق المناقشة والجدل العلمي المجدي.


الهوامش

1- حول الآثار المادية والنفسية التي سببها قدوم الماكنة، يراجع: H. L. Sussman, Victorians and the Machine: The Literary Response to Technology (Cambridge , Mass. : Harvard Univ. Press, 1968 )
2. Richard D. Altick , Victorian People and Ideas : A Companion for the Modern Reader of Victorian Literature ( NY : W.W. Norton & Company, Inc., 1973), p.8.
3-Charles Dickens, Hard Times ( Houndmills: Macmillan Education Ltd., 1983 ), pp. 1-7.
4- المصدر أعلاه، ص 3.
5- David Daiches, A Critical History of English Literature, vol. 4- (London : Secker & Warburg, 1961 pp.
6-محمد الدعمي، انتصار الزمن: دراسة في أساليب معالجة الماضي في الفكر الإحيائي (بغداد: دار آفاق عربية، 1985)، ص 45-70.
7-في آراء كارلايل حول الإسلام ودور الرسول الكريم [ في تثوير الحياة الاجتماعية والروحية في جزيرة العرب. يراجع: Muhammed A. Al- Da'mi , Arabian Mirrors and Western Soothsayer ( NY : Peter Lang Publishing , 2002 ) , pp. 65-98.
8- حول نظريات رسكن الجمالية ـ الأخلاقية، يراجع: الدعمي، انتصار الزمن، ص 71-74 و 84-106.
9- المصدر أعلاه، ص 105- 106.
10- John Henry Newman , The Idea of a University : Defined and Illustrated ( NY : Longmanns , Green and Co. , 1957 ), p. 84.
11- جميع الإشارات الأخرى إلى هذا الكتاب ستضمن في متن الدراسة مع رقم الصفحة، كما يلي: الرقم:Idea.







بقلم: أ.د.محمد الدعمي
المصدر: مجلة المعرفة
___________________________________________



أفـرح يا قلبي بشوفـة زينـة المــــــــلاح
يوم أقبلت كنها قمر في سمانــا يسيـــــر

يا ملـحـهـا ما ياقــف جـنـبـهــا مــــــلاح
أميــرة البــــــــدر تعطي للنجـوم تنويــر
رد مع اقتباس

Sponsored Links
  #522  
قديم 02-12-2007, 06:42 PM
**( بــــدر )** **( بــــدر )** غير متواجد حالياً
VIP من مؤسسي النبراس
 
تاريخ التسجيل: 14-07-2001
الدولة: قلبي تولع بالرياض ... حباً ورثته من الجدوود
الجنس: ذكــــر
المشاركات: 25,901

الطفل المعجزة




هاتفني يومًا أخ كريم يعمل صحفيًا في إحدى الصحف السعودية اليومية يسألني إن كان بالإمكان ترتيب مقابلة صحفية مع أحد الأطفال الموهوبين ووالده وبعض معلميه. قلت: نعم فقط أمهلني بعض الوقت. الأخ الزميل اتصل مرارًا وتكرارًا يسأل عن طلبه السابق، وأمام هذا الإلحاح سألته إن كان بالإمكان الاتصال بمركز رعاية الموهوبين في مدينة الرياض أو أي مدينة أخرى لتنسيق لقاء مع أحد طلابهم؟ فأجاب بلهجة سريعة فيها نوع امتعاض: «يا دكتور لي ما يقارب ستة أشهر وأنا أتصل وأبحث ولم أجد بغيتي، ما عرضوه علي لا يتناسب والمواصفات المطلوبة!». حقيقة هالني هذا الرد! أيعقل أن تبحث عن موهوب واحد فقط في أرجاء المملكة كلها ولمدة ستة أشهر ولا تجد! بعد التمعن قليلاً اعترتني نوبة ضحك ـ وشرُّ البلية ما يضحك ـ بلادنا المترامية الأطراف الغنية بأبنائها ورجالها ليس بينهم موهوب! هذه الجزيرة التي ولد فيها وترعرع خير خلق الله [ وأمدت العالم كله ـ عبر التاريخ ـ من مشرقه إلى مغربه برجال ونساء كان لهم الأثر الأكبر في تغيير وجهه السياسي والعلمي والأدبي والاجتماعي ثم نعجز الآن أن نجد موهوبًا واحدًا!!! آه ثم آه أين هذا الطفل الموهوب المعجزة؟

مكمن الخطر

سبب نوبة الضحك تلك أنها أثارت شيئًا من ذكرياتي الجميلة. كنت يومًا أتحدث مع زميل لي ـ اسمه علي وهو متخصص في مجال التخلف العقلي ـ في أول لقاء بيننا في أثناء دراستي لدرجة الدكتوراه في الولايات المتحدة الأمريكية وسألني حينها عن مجال تخصصي، فأخبرته أنه في مجال رعاية الموهوبين، فضحك وقال: «عندما تم تعييني في جامعة الملك سعود قسم التربية الخاصة، اقترح عليَّ بعض الزملاء التخصص في مجال رعاية الموهوبين فأخبرته خلالها ممازحًا له: تريدني أن أبقى عاطلاً بلا عمل؟ بل سأتخصص في مجال التخلف العقلي حيث المجال أرحب في بلادنا».

ضحكنا حيث لم تبدو لنا في ذلك الوقت أكثر من كونها ممازحة لطيفة. لكن الآن ونحن في هذه الموجة من الاهتمام بمجال رعاية الموهوبين على المستوى الرسمي والشعبي نواجه بحق حقيقة مرة. هنا في المملكة، وكما هو الحال في بعض الدول العربية، يتنامى الشعور بضرورة تلبية الحاجات المتنوعة للموهوبين ورعاية قدراتهم. وعلى ما يحمل هذا الشعور من إيجابية بالغة، إلا أنني أجد أن الحقيقة المرة في خضم هذا الزخم من الاهتمام هو في إهمال محاولة فهم أكثر الحاجات إلحاحًا لدى الموهوبين ألا وهي فهم وتفهم طبيعة وجوهر الموهبة وليس فقط الاحتفال بمظاهرها البراقة.

ما صورة الموهوب في مخيلتك؟

قمت مرة بتكليف الحضور في إحدى ورش العمل التي نفذتها للتوعية بمجال رعاية الموهوبين بأن يقوموا برسم طفل موهوب ويقيدوا تحت الصورة أبرز سماته العقلية والشخصية التي يعتقدونها. النتيجة المؤلمة المضحكة التي خلصت بها من معظم الرسومات أن الحضور متفقون على أن الشكل الخارجي للموهوب غالب ما يكون كالتالي: طفل ضعيف البنية، مثلث الرأس، يلبس نظارات عريضة جدًا لا تكاد ترى عينيه منها، شعره متطاير، غير منظم الهندام. أما عن سماته الشخصية والعقلية فحدث ولا حرج، وباختصار شديد هو: طفل لم يتجاوز عمره السبع سنوات، استطاع أن يعلم نفسه القراءة والكتابة في وقت مبكر جدًا، قوي الذاكرة، يحفظ بسرعة فائقة، متحدث بارع، يستطيع توليف القصائد، ويحل أعتى المسائل الرياضية بمجرد نظرة خاطفة. أما وقد كبر قليلاً فهو ذلك الشاب كثير المخترعات، متعدد المهارات، مبرمج لا يشق له غبار في الحاسب الآلي، وبطبيعة الحال صاحب معدل 100% من القسم العلمي في الثانوية العامة.

ماذا تريد من الموهوب؟

قد يبدو هذا الكلام مبالغًا فيه، وقد تشعر أن من يحمل هذا التصور قلة، وبالطبع قد تستثني نفسك من هؤلاء القلة، لكن الحقيقة المؤلمة حين تواجه بسؤال: من الموهوب؟ وماذا نريد من الموهوبين القيام به؟ تجد أن كثيرًا منّا يتجه إلى التصور ذاته. تشكل هذه الحقيقة كابوسًا مزعجًا، ومشكلة عويصة تواجه الموهوبين وبرامج رعايتهم في المملكة. من المعتاد جدًا أن نسمع من بعض أولياء الأمور ـ خصوصًا المثقفين منهم ـ حين نبعث إليهم بطلب موافقتهم على انضمام ابنهم أو ابنتهم إلى برنامج رعاية الموهوبين عبارة: «غريب.. لا يظهر عليه، هل أنتم متأكدون؟ أنا ما أرى فيه شيئًا مميزًا»، بل الأعظم من ذلك حين نسمع من بعض المعلمين بعض التعليقات «غير اللطيفة» والتي غالبا ما تشكك في مصداقية المقاييس التي نستخدمها وذلك بحجة أن الطلاب المختارين للبرنامج ليسوا بارزين بدرجة كافية.

ما أكثر ما يثار النقاش الموجه حول المشكلة نفسها في مجالس مختلفة المستويات، لعل آخرها قبل أيام قلائل حين فجعت باستفسار من أحد مديري المدارس نصه التالي: «هل اكتشفتم بالفعل موهوبين؟ هل لديهم القدرة على حل مشكلة مرض السارس فيما لو تعرضت له البلاد لا سمح الله؟ هل خرجتم باكتشافات عظيمة لكنكم تخفونها كتكتيك استراتيجي؟ أم أن المسألة مجرد تجميع الطلاب ليجمعوا مجموعة من عبس ـ نوى ـ التمر ويشكلوا بها لوحة فنية». إنه لأمر مؤرق جدًا أن هذا الفهم الغريب الخطير للغاية ينتشر بسرعة عجيبة: نريد موهوبين ذوي قدرة فائقة على تغيير أحوالنا الاجتماعية والاقتصادية والعلمية المتعثرة بين عشية وضحاها، إنها مصيبة استعجال الثمرة واعتقاد الخوارق.

مقاس ثابت لثوب الطفل الموهوب

هذا يقودنا إلى مشكلة أخرى يعانيها بعض الطلاب الموهوبين في صفوفهم الدراسية، ألا وهي عدم قناعة أو لنقل عدم الرغبة في قبول وتفهم أن الطالب الجالس بين يديه في الصفوف الخلفية كثير الحركة والمشاكسة قليل التجاوب مع متطلبات الواجبات اليومية يمكن أن يكون موهوبًا. قالها لي الأستاذ خالد مرة ـ أحد المعلمين في الساحل الشرقي ـ: «هذا الطالب أعده ضعيف الاستيعاب فكيف بربك يمكن أن تقول لي أن مقاييسكم تقول إنه موهوب؟ هو لا يستطيع حتى حل المسائل الرياضية متوسطة الصعوبة، ولا أعتقد أنه قادر على أن يخترع شيئًا قط». وتعظم المصيبة وتشتد الكارثة حينما يصبح هذا التصنيف مدعاة للسخرية والتهكم على الطالب في حال إخفاقه في حل مسألة ما أو عدم تجاوبه مع بعض متطلبات أستاذه. إنها مشكلة التصور الخاطئ للموهبة المستقر في العقل الباطن: لم يخترع شيئًا! يخطئ في حل المسائل الرياضية، ليس متميزًا بصورة كبيرة جدًا عن بقية زملائه، إذًا كيف يكون موهوبًا؟ في أحوال كثيرة يبدو لي أن كثيرًا من المعلمين قد خاط للموهوب في تصوره ثوبًا ذا مقاس ثابت وأبعاد محكمة لابد للموهوب أن يكون في مقاس هذا الثوب حتى يكون أهلاً لهذه الصفة.

السلعة الإعلامية والطفل المعجزة

قد يشكل الإعلام جزءًا كبيرًا من هذه المشكلة. الإعلام مولع بالبحث عن ذلك النمط من الموهوبين الذين يشكلون نسبة تقل أحيانًا عن واحد من مليون من بين فئة الأطفال الذين يمكن تصنيفهم ضمن فئة الموهوبين. إنهم دومًا يبحثون عن ذلك الطفل المعجزة. أعود مرة أخرى إلى صاحبي الصحفي فعندما حاورته قائلاً: «أنت في مدينة الرياض حيث توجد الإدارة العامة لرعاية الموهوبين ومؤسسة الملك عبدالعزيز ورجاله لرعاية الموهوبين ومركز متميز لرعاية الموهوبين ثم تقول لم تجد موهوبًا يتناسب والمواصفات المطلوبة». قال لي: «نعم اتصلت بهم أو ببعض من أعرفه على صلة بهم لكن يبدو أنه ليست لديهم النوعية التي نريد فاعتقدت أن بإمكانك أن تساعدنا في الحصول عليها».

قلت له: «أعرف طفلا في الصف الخامس الابتدائي متحصل على درجة 140 في مقياس القدرات ولديه قدرات إبداعية عالية». قاطعني قائلاً: «في الخامس الابتدائي! أي في الحادي عشر من عمره! لا.. لا، نريد طفلاً أصغر من ذلك». قلت له حسنًا هناك طفل آخر في الصف الثالث الابتدائي أعرفه وأعرف والده تحصل على درجة 146 في مقياس القدرات و 136 في مقياس تورانس للقدرات الإبداعية وهو بالفعل موهوب». قال مرة أخرى: «نريد أصغر من ذلك بكثير، ألا تعرف طفلاً دون الخامسة تنطبق عليه مواصفات عالية؟» قلت: «لم أجر قط أي نوع من المقاييس على أطفال في هذا السن، لكنني أعرف طفلاً في السادسة من عمره طلب مني والده مقابلته والتحدث معه، ومن خلال خبرتي وتقديراتي الخاصة أتصور أنه موهوب، هل تريد أن أحادث والده في هذا الأمر».

سكت قليلاً، ثم قال: «كنت أتمنى أن نجد ابن الأربع سنوات، ولكن قد يكون هذا مناسبًا، طيب ماذا يمكن أن يفعل هذا الطفل؟» قلت ضاحكا: «ماذا تقصد بماذا يمكن أن يفعل؟ إنه طفل في السادسة من عمره! في العموم تبدو لي قدراته العقلية والإبداعية عالية جدًا، يفعل أشياء كثيرة يحبها بصورة متقنة ومختلفة نوعًا ما عن المعتاد». قاطعني مرة أخرى وقال: «أقصد ما الأمور التي استطاع إنجازها أو إتقانها بصورة باهرة وغريبة مما يجعل من الطفل مثيرًا جدًا؟ حقيقة أصبت بإحباط شديد وكأن القضية ليست لها بعد تربوي على الإطلاق، بل هي إعلامية بحتة تبحث عن الإثارة. قلت له: «تقصد هل يحفظ الطفل كتاب الله كاملاً ويستطيع ترديد قصيدة الأصمعي عن ظهر غيب؟ أو سبق له أن اخترع شيئًا ما؟ أو تقول له مسائل رياضية على الهواء ثم يجيب عنها مباشرة وفي لحظات؟ هل هذا ما تقصد بماذا يمكن أن يفعل؟» قال وبحماس شديد: «نعم.. نعم.. بالضبط مثل هذه الأمور أو شيء من ذلك».

حوار مع أينشتاين

لا غرو أن الإدارة العامة لرعاية الموهوبين ومؤسسة الملك عبدالعزيز ورجاله لرعاية الموهوبين ومركز الرياض لرعاية الموهوبين وغيرها من المراكز عجزت أن تجد لهذا الصحفي بغيته. أمضيت بعض الوقت والجهد محاولاً إقناع هذا الصحفي بأن الطفل الذي في مخيلته لا يظهر إلا مرات معدودة كل عقد من الزمن وأن نسبتهم ضئيلة للغاية، وقد يظهرون ويختفون دون أن يشعر بهم أحد ودون أن يستفيد منهم مجتمعهم بسبب عدم توفر الظروف الملائمة. ومما قلت له في ذلك ـ وقد استفدت هذا المثال من أحد كبار علماء مجال رعاية الموهوبين في مقابلة صحفية له ـ: تخيل أن لدينا في المملكة أينشتاين وله من العمر تسع سنين، أينشتاين لم يخترع شيئًا في هذا العمر، حافظته لم تكن متميزة جًدا، تقارير معلميه في هذا السن تشير إلى أنهم يصنفونه من ضمن بطيئي التعلم أو ضعيفي الاستيعاب، في هذه الحالة هل سترفض إجراء مقابلة صحفية معه؟ صدقني من ذكرت لك من الأطفال هم موهوبون من الطراز الأصيل». قال وفي نبرة كلامه نوع اقتناع: «نعم أتفهم هذا الأمر، ولكن حاول أن تجد لنا طفلاً أصغر من خمس سنوات ويمكن أن يفعل شيئًا متميزًا أمام الكاميرا!!».

الحقيقة أنني أتمنى أن لا يجد هذا الصحفي بغيته؛ لأن ذلك سيساعد على ترسيخ هذا التصور الخاطئ الذي يحمله المجتمع عن الموهبة. من الطبيعي جدا أننا سنواجه بالآباء يرددون بتواضع شديد «لا.. لا، ابني أبعد ما يكون عن الموهبة». وسيستمر المعلم يقف أمام تلاميذه يحادث نفسه: «لا يوجد بينهم من يسمونه موهوبًا». وسيظل المجتمع بمختلف فئاته ينادي: «أين هم هؤلاء؟ أين يعيشون؟ لماذا لا يوجد بيننا موهوبون؟ لم نشاهد إلى الآن موهوبًا حقيقيًا؟». كل هذا بسبب صورة «الطفل المعجزة» الذي يبحث عنه صاحبي الصحفي ويريد أن يقدمه أنموذجًا للموهوبين في المملكة.

مقاييس وهمية

دار حوار بيني وبين الأستاذ خالد غير المقتنع بأن أحد طلابه المرشحين من الصف الخامس الابتدائي للانضمام إلى برنامج رعاية الموهوبين في المدرسة يمكن أن يكون موهوبًا على الرغم من تفوقه الدراسي وذلك بسبب عدم وجود التميز البَيّن عن بقية زملائه في الصف. سألت الأستاذ خالدًا: «أقدر رأيك وأحترمه، هل لك أن تحدثني عن المقياس الذي تعتمد عليه أو المعايير التي تستند إليها في تحديد التميز البَيّن بين طلابك؟» على الرغم من أن السؤال بدا لي مربكًا له إلا أن إجابته أيضًا كانت مفاجئة ومربكة لي. قال لي بصوت يوحي بالثقة مع ارتفاع في نبرات الصوت قليلاً: «لي في ميدان التدريس ما يقارب العشرين سنة وأستطيع أن أفهم وأتعرف على كل واحد من طلابي؛ كيف يفكر، وماذا يمكن أن يقدم. هذه الكراسات ـ وأشار بيده اليمنى إلى مجموعة كبيرة من الكراسات قابعة على مكتبه ـ تخبرني بقدرات طلابي واحًدا واحدًا، كيف يشارك الطالب في الصف وكيف يجيب عن الأسئلة الشفهية طوال الفصل الدراسي مقياس أهم وأصدق من مقاييسكم التي تدعون أنها موضوعية». لا أشك أن الأستاذ خالدًا صاحب خدمة تربوية كبيرة وفهم ووعي لا بأس به بوظائفها وأهدافها، بل يعد في رأيي المتواضع معلمًا متميزًا، وأنا لا ألقي عليه اللوم في حمله لهذا التصور عن الموهبة وطرائق تمييزها، لكون برامج التوعية بهذا المجال من العلوم ما زالت في بداياتها. عدت إلى سؤال أخي الأستاذ خالد: «خلال هذه الفترة والخدمة الكبيرة في التدريس، هل صادفت من بين طلابك من يمكن تسميته بالموهوب؟» أجاب بعد فترة ليست بالقصيرة من التفكير العميق والذي بدا لي أيضًا أنه مجهد: «لا.. لا.. مع الأسف لا أذكر أحدًا، إلا واحدًا أو اثنين يمكن أن أقول عنهما إنهما موهوبان جزئيًا لقوة وسرعة قدرتهم على الحفظ».

سأتوقف عن عرض تفاصيل هذا الحوار مع الأستاذ خالد وأنقله إلى حوار جماعي مع القراء الكرام. لنعد قليلاً بذاكرتنا أو لعلنا نقلب كراسات الواجبات اليومية لأبنائنا، وأوجه سؤالي إلى الجميع: هل في هذه الكراسات من التكاليف والتعيينات الدراسية ما يمكن أن يمايز بين قدرات الطلاب؟ معظم الطلاب يؤدون الواجبات اليومية بصورة متشابهة ويقتصر التميز في الإخراج الفني والخط والترتيب.
ثم السؤال الثاني: هل هذه الواجبات والتعيينات ممتعة وتتحدى قدرات الطلاب أم أنها مملة ومكرورة والقصد منها لا يتعدى إجبار الطالب على فتح الكتاب المدرسي في المنزل ومراجعة الدرس؟ السؤال الثالث: هل التعيينات والواجبات متنوعة بتنوع قدرات ومستويات الطلاب أم أنها تخاطب الجميع على أن لديهم قدرات عقلية متساوية وخبرات سابقة متماثلة؟ فهل مثل هذه الواجبات أو المشاركات الصفية قادرة على تمييز وإبراز القدرات الخاصة. لقد أثبتت مجموعة كبيرة من الدراسات العلمية أن ما ينتجه الطلاب الموهوبون في الصف الدراسي العادي من واجبات ومهمات أقل بنسبة 50% من قدراتهم على الإنجاز، وأن كثيرًا من الطلاب الموهوبين ليسوا على دراية بمستوى قدراتهم ومجالاتها، وبالتالي إنجازهم ينحصر فيما يتوافق مع ما يريده المعلم وهو الأمر الذي لا يجعل منهم متميزين بدرجة كافية.

كن متأكدًا من فهمك للموهبة

نحن بحاجة ماسة إلى أن يتخلص المجتمع من هذا التصور ويحاول أن يتفهم الصورة الحقيقية للموهبة والموهوبين. يجب أن ينظر الآباء والمعلمون إلى الاستعدادات الفريدة للتميز والعمل على توفير البيئة المناسبة لها لتنمو وتزدهر، لا أن يبحثوا عن المظاهر الخلابة والأعمال النادرة جدًا حتى يعترفوا بقدرات أبنائهم. أجد الاتصالات الهاتفية من بعض الآباء عن قدرات أبنائهم في الآونة الأخيرة وسؤالهم عن الأسلوب الأمثل لرعايتها مؤشرًا إيجابيًا لنمو التصور الصحيح لمفهوم الموهبة بين قطاع أولياء الأمور في المجتمع على الرغم من اعتذاراتهم الخجولة وتقديمهم لحديثهم عن أطفالهم بعبارة «ليس موهوبًا بالصورة التي تتصورها، ولكن أشعر أن لديه قدرات أعلى ممن هم في سنه». قلت مرة لأحد الآباء وقد بدا غير مقتنع بأن يكون ابنه مؤهلاً للالتحاق ببرنامج رعاية الموهوبين الذي رشح له: «إذا كنت غير متأكد من كون ابنك موهوبًا أم لا، عليك ألا يقلقك هذا المصطلح «موهوب»، لا تضع معايير عالية جدًا وغير منطقية لهذه الصفة. الطفل الموهوب ببساطة بالغة هو طفل لديه استعدادات عقلية عالية تفوق أقرانه في العمر قد لا تكون واضحة بيّنة لجموع الناس. كثير من الأطفال الموهوبين لا يظهرون تميزًا مثيرًا للانتباه ولا يحققون نتائج باهرة خاصة إذا لم يتم التعرف على مواهبهم ورعايتها أو إذا كانوا في بيئة مدرسية لا توفر الظروف المناسبة والتحدي العقلي اللازم لظهور تلك المواهب».

في الختام .. همسة

أليس من العجيب أن نبحث عن النتائج الباهرة كعلامات فارقة لوجود الموهبة، ونحن لم نهيئ البيئة المناسبة بكل ما تحويه من كتب مدرسية وتعاملات أسرية ومناشط وتعيينات يومية. أنريد من الطفل الموهوب أن يكون مخترعًا فذًا أو قادرًا على حل المسائل الرياضية المعقدة أو متمكنًا من إنشاء القصائد وترديدها بصورة خلابة دون أن نساعده على التعرف على ذاته وعلى قدراته، ثم لا نساعده كيف يتعلم وكيف يتميز، ثم نقول ليس في هذا الصف موهوب!! أقول وكيف له أن يضيء إلا أن يكون هو «الطفل المعجزة».




بقلم: د. عبدالله بن محمد الجغيمان
مدير مشروع تأهيل أخصائي رعاية الموهوبين في السعودية
المصدر: مجلة المعرفة
___________________________________________



أفـرح يا قلبي بشوفـة زينـة المــــــــلاح
يوم أقبلت كنها قمر في سمانــا يسيـــــر

يا ملـحـهـا ما ياقــف جـنـبـهــا مــــــلاح
أميــرة البــــــــدر تعطي للنجـوم تنويــر
رد مع اقتباس
  #523  
قديم 02-12-2007, 06:52 PM
**( بــــدر )** **( بــــدر )** غير متواجد حالياً
VIP من مؤسسي النبراس
 
تاريخ التسجيل: 14-07-2001
الدولة: قلبي تولع بالرياض ... حباً ورثته من الجدوود
الجنس: ذكــــر
المشاركات: 25,901

نظام الملك




في أزمة الضعف والخمول تغدو ومضات الإبداع أقوى إشعاعًا وأظهر لمعانًا. ومن رحم التفرق والضعف الذي عاشه المسلمون في القرن الخامس ـ حين ذوت نضرة الخلافة العباسية، وغدت شبحًا لاحقيقة له ـ أطلت على الدنيا شخصية عظيمة في تاريخنا، أضاءت بجهودها حقبة من السنين، وأقامت بحسن سيرتها منارًا للسالكين.

كانت الخلافة العباسية آنذاك واهية الأركان، متضعضعة الدعائم، مثقلة بتركة ضحمة من الفساد وسوء الإدارة، ولم يكن للخليفة العباسي من الحكم إلا المظهر، أما الحقيقة فكانت بيد من يغلبه على أمره من الدويلات، وكانت الغلبة في ذلك الوقت للبويهيين. ونتيجة لذلك، فقد سعى كل من تحصلت له أسباب قوة إلى الاستقلال بحكم ما يليه من النواحي، فنشأ عدد من الدويلات في أنحاء العالم الإسلامي، وكان من أعظمها نفوذًا وسلطة وأفضلها سيرة في نصرة الإسلام ونشر العلم دولة السلاجقة التي تولى وزارتها وتدبير أمورها نظام الملك في عهد أكثر سلاطينها شهرة: الملك المجاهد ألب أرسلان، وابنه ملكشاه.

وعندما نقرأ الثناء العاطر على هذا الرجل من أكابر العلماء والنبلاء في عصره كابن عقيل صاحب الفنون وأبي المعالي صاحب الغياثي والزمخشري صاحب الكشاف وعبدالقاهر صاحب الدلائل، ونرى استتباب الأمر له وزيرًا متصرفًا في الدولة ثلاثين عامًا متواصلة مع ما اشتهر من نكبات الوزراء في تلك الحقبة، ورضا الخليفة العباسي عنه مع أنه يعد مؤازرًا لمنافسه في السلطة، ونسمع عن مدارسه التي أسسها فغدت سنة حسنة للوزراء والحكام من بعده، ونطلع على شيء من أخباره في طلب العلم وحسن العبادة، ونشهد مع أعيان ذلك الزمان مجالسه التي كانت عامرة بالعلماء والأدباء، ندرك مدى الجوانب المشرقة من حياة هذا العلم في السطور التالية:

إشراقة البزوغ

لم يكن نظام الملك عربيًا، بل هو فارسي من طوس، وقد غلب عليه لقبه حتى لا يكاد يعرف باسمه: الحسن بن علي بن إسحاق الطوسي. رأت عيناه الدنيا لأول مرة يوم الجمعة منتصف ذي القعدة عام 408 في بيت والده دهقان البلدة ـ أي رئيسها ـ من جهة السلطان محمود الغزنوي، ولم تمهل الأيام أمه زمرد خاتون إلا يسيرًا، فغادرت دنيانا، وتركت طفلها الرضيع في عهدة والده ليعاني من شأن حضانته ما يعاني.

إشراقات علمية

كان من توفيق الله للنظام أن والده كان رجلاً صالحًا حكيمًا فحرص على تنشئته نشأة صالحة وتعليمه القرآن، وقد أتم حفظه في الحادية عشرة من عمره، ثم عهد به إلى مرب حصيف وهو عبدالصمد الفندوحي الذي تعاهده بالعلم والأدب، ودرسه فنون العربية والفقه والحديث نحوًا من عشر سنين، ثم سمت همته إلى الرحيل في طلب العلم، فاستأذن والده ورحل إلى نيسابور، حيث لازم الإمام الموفق هبة الله النيسابوري أربع سنين.

وعند عودته إلى بلدته طوس كانت أحوال والده قد ساءت، إذ فقد منصبه وافتقر، إلا أن ذلك لم يفت في عضده، ولم يثنه عن همته في طلب العلم، فرحل مجددًا إلى بخارى ينهل من علومها ثلاث سنوات، ومنها إلى مرو فكابل (غزنة)، حتى ألقى عصا الترحال في بلخ، حيث اتصل بأبي علي أحمد بن شاذان والي بلخ للدولة السلجوقية، وعمل في ديوانه كاتبًا نحوًا من ثلاث سنين، إلا أن هذا الوالي كان سيئ الخلق فظ المعاملة، فكان يصادر ما تحصل له من المال كل عام. ويقول له: سمنت يا حسن! يكفي للكاتب القلم! فقرر نظام الملك أن يفارقه إلى مرو، حيث مؤسس دولة السلاجقة السلطان طغرل بك، وأخوه جفري بك داوود الذي التقاه النظام وشرح له حاله، فأعجبه مقاله وأدبه، فألحقه بابنه محمد الذي عرف بلقبه الشهير ألب أرسلان ـ أي قلب الأسد ـ والذي تولى الحكم بعد وفاة عمه، حيث تبدأ من هناك فصول حياته الجديدة.

أسهمت هذه الدراسة الطويلة مع الذكاء الفذ وعلو الهمة في بلورة شخصية نظام الملك العلمية، حيث شهد له علماء عصره بالعلم. وقد كانت له عناية خاصة بالتاريخ، فلا يكاد يغيب عنه شيء من تاريخ الفرس والمسلمين، ونرى ذلك حاضرًا في كثير من مواقفه وفي مؤلفاته، كما اعتنى بعلم الحديث الشريف، فسمعه وأسمعه، ونقل في سيرته أنه عقد مجلسين لإملاء الحديث مرة في نظامية بغداد والأخرى في جامع المهدي، وذلك لحرصه ـ كما صرح بذلك ـ على أن يربط في قطار نقلة الحديث عن رسول الله [، وتميز في فنون الحساب، وبرع في الإنشاء بالعربية والفارسية، حتى قيل أنه لم يكن في زمانه أكفأ منه فيهما.

وقد أثرت هذه النشأة العلمية في شخصية نظام الملك، فكان يحرص على مجالسة العلماء والقرب منهم والحفاوة بهم، ومن مظاهر ذلك ندوته العلمية التي كان يعقدها بداره كل اثنين، ويرتادها نوابغ العلماء والأدباء، فتناقش فيها مختلف الفنون، وتعقد بها المناظرات وتنشد في أروقتها الأشعار. يقول السبكي في طبقات الشافعية: «كانت مجالسه معمورة بالعلماء، مأهولة بالأئمة والزهاد، لم يتفق لغيره ما اتفق له من ازدحام العلماء عليه وترددهم على بابه، وثنائهم على عدله، وتصنيفهم الكتب باسمه».

ولم تكن ندوته حكرًا على طبقة أو طائفة معينة، بل كانت منتدى مفتوحًا للجميع، حتى إن أحد مرتادي ندوته ـ وهو أبو يوسف القزويني شيخ المعتزلة في زمانه ـ قال له: أيها الصدر، قد اجتمع عندك رؤوس أهل النار! قال: كيف؟ فقال: أنا معتزلي، وهذا ـ يعني أبا محمد التميمي ـ حنبلي، وهذا ـ لرجل آخر ـ أشعري، وبعضنا يكفر بعضًا!

وكان يكرم العلماء والأدباء إكرامًا بالغًا، وقد ذكر القلانسي في ذيل تاريخ دمشق أن رزقه كان يجري على اثني عشر ألف إنسان من فقيه وشاعر وغيره. وكان يخصهم بمجالسه ولا يحجبهم حتى إن أحد خاصته ـ كما يذكر ابن الجوزي في المنتظم ـ قال له: هذه الطائفة قد بسطت لهم في مجلسك حتى شغلوك عن مهمات الدولة ومصالح الرعاية، فلو تقدمت أن لا يصلك أحد إلا بإذنك، وإذا وصل جلس بحيث لا يضيق عليك مجلسك. فقال: هؤلاء هم أركان الإسلام، وهم جمال الدنيا والآخرة، لو أجلستهم على رأسي لاستقللت ذلك لهم.

لقد فوض نظام الملك مدحه إلى أفعاله، فقصده الشعراء بمدائحهم من كل فج وصوب، ومدحه شعراء الشام والحجاز والعراق وفارس وغزنة، ومن أشهر من مدحه المجاشعي والأبيوردي وابن الهبارية والطغراني صاحب لامية العجم.

وخلف آثارًا علمية عديدة من أشهرها كتاباه: سياست نامه (سير الملوك)، وبند نامه (دستور الوزارة) اللذان ألفهما في آخر حياته، بل لم يبيضا إلا بعد وفاته، وقد أودع فيهما خلاصة تجربته وحكمته، وظهر فيهما عمقه العلمي ودهاؤه السياسي.

يعرض كتاب سياست نامه ما ينبغي أن تكون عليه الدولة، وقد شرح فيه واجبات السلطان وموظفي الحكومة ونظم الدولة في نحو من خمسين فصلاً. أما كتاب بند نامه فهو كتاب وصايا كتبه لابنه فخر الملك يلخص فيه تجربته الوزارية ليفيد منها ابنه، ويوضح له بجلاء واجبات الوزير تجاه خالقه وتجاه السلطان وأهل بيته وحاشيته وقواده، وغيرهم من سائر الملازمين كالندماء والكتاب ونحوهم، وكذا واجبه تجاه الرعية. والكتابان مليئان بالحكم والأمثال وعبر التاريخ.

إشراقات سلوكية

لا ثمرة حقيقية للعلم دون العمل به، وقد كانت سيرة النظام تمثيلاً حقيقيًا للمبادئ التي يحملها والقيم التي يعتنقها، فقد كان ـ كما يقول عنه ابن كثير ـ محافظًا على الصلوات في أوقاتها لا يشغله بعد الأذان شغل عنها، وكان يواظب على صيام الاثنين والخميس، وله الأوقاف الدارّة والصدقات البارّة.
وقد اشتهرت أخبار كرمه وكثرة إنفاقه على العلماء والزهاد. قال عنه أبوالوفاء ابن عقيل في الفنون: «إن أيامه التي شاهدناها تربو على كل أيام سمعنا بها، وصدقنا بما رأيناه وإن كنا قبل ذلك مستبعدين له، ناسبين ما ذكر في التاريخ إلى نوع من تحسين الكذب، فأبهرت العقول سيرته جودًا وكرمًا وعدلاً». وذكر الطرطوشي أنه لم يكن ثمة حامل علم أو طالبه أو زاهد في زاوية إلا وكرامة نظام الملك شاملة له وسابغة عليه.

وكانت مائدته مبذولة للجميع يجتمع عليها الأشراف والسوقة. وفي إحدى مآدبه كان من ضيوفه أحد أعيان الدولة وهو والي خراسان الذي جمعته المائدة مع رجل فقير مقطوع اليد، فظهرت عليه علامات التأفف والضيق، ولاحظ ذلك نظام الملك، فقام من فوره مسرعًا إلى هذه المائدة، وجلس إلى جوار الفقير، وأخذ يحادثه ويأكل معه، فكانت موعظة عملية أبلغ من عشرات المواعظ القولية.
ومما عرف به نظام الملك ـ رحمه الله ـ توقيره للعلماء الناصحين واستبشاره بزيارتهم له، والتأثر بمواعظهم، حتى إن الواعظ أبا علي الفارمذي إذا دخل عليه قام له وأجلسه مكانه، وجلس بين يديه، ولا يفعل ذلك مع غيره من العلماء المشهورين كإمام الحرمين، فلما عوتب في ذلك قال: «إن غيره إذا دخل عليَّ يطريني ويعظمني ويقول لي ما ليس فيَّ فأزداد بذلك مما هو مركوز في نفوس البشر، أما أبو علي فإنه إذا دخل عليَّ ذكَّرني عيوبي وظلمي، فأنكسر وأرجع عن كثير من الذي أنا فيه».

ولم يكن يكتفي بمن يزوره منهم فحسب، بل كان يزورهم في بيوتهم ويصلي الجمعة في مساجد متعددة ليسمع المواعظ. وكما قيل، فإن كل سوق يجلب له ما ينفق فيه، ولذلك فإن العلماء عندما عرفوا انقياده للحق وقبوله للنصح صدقوه الموعظة، فأرسل له شيخ الإسلام أبو إسماعيل الهروي كتابًا ضمنه نصيحة بليغة حفظتها كتب التاريخ، ووعظه معمر بن علي بن أبي عمامة ـ خطيب جامع المهدي ـ من على المنبر موعظة شديدة، منها قوله: «فإذا سئلت يوم القيامة ماذا صنعت في البلاد والعباد، أفتحسن الجواب؟! وقد اتخذت الأبواب والنواب والحجّاب، فصدوا القاصد، وردوا الوافد، فاعمر قلبك كما عمرت قصرك»، وقال له أبو الحسن الداودي في إحدى المواعظ: «أيها الرجل! إن الله سلطك على عبيده، فانظر كيف تجيبه إذا سألك عنهم».

وكان في كل هذه المواقف وغيرها يقف موقف المعتبر المتعظ بهذه المواعظ، فيظهر عليه التأثر والبكاء في وقتها، والعمل بها والاهتداء بهديها بعد ذلك.

إشراقات تربوية

مع عظمة ما خلف نظام الملك من آثار، وما كان له من دور كبير في الإصلاح، إلا أن المدارس النظامية غدت أبرز آثاره وأعظم مآثره، وصارت أنموذجًا يحتذى، فلا تذكر المدارس ـ إلى يومنا هذا ـ إلا وتذكر النظاميات، ولا يذكر اهتمام الملوك والوزراء بالتعليم إلا ويذكر نظام الملك، بل لقد طبعت هذه المدارس عصر الدولة كله بطابعها، فنجد ابن جبير في رحلته يصف العصر السلجوقي بأنه عصر انتشار المدارس وشيوعها في بلاد المسلمين. قال البشير الإبراهيمي: «لم يهتد الملوك قبله الذين أشادوا القصور إلى البناء الذي يتقاصر أمامه كل بناء..إنها المدرسة، وسبق هذا الوزير للمنقبة التي تغطي كل المناقب، وهنالك علمت بغداد أن كل ما حازته من جمال كانت تنقصه نقطة الجمال».

لم تكن النظاميات أول مدارس في الإسلام، ولكنها نقلة نوعية للتعليم الإسلامي، تمثل ذلك في مبانيها، ومناهجها، ومعلميها، وأسلوب التدريس فيها، وإشراف الدولة عليها، وتعيينها لخريجيها. وكانت الدراسة قبل ذلك تقام على شكل حلقات في المساجد أو كتّاب صغير لتحفيظ القرآن الكريم وتعليم مبادئ القراءة والحساب، أما النظاميات فقد كانت شيئًا آخر.

بدأت سلسلة النظاميات ـ التي تجاوزت عشر مدارس ـ بنظامية بغداد التي عني بها نظام الملك أتم عناية، وقد شرع في بناء هذه المدرسة في ذي الحجة من عام 457، وفرغ منه في ذي القعدة عام 459، حيث افتتحت الدراسة بها يوم السبت العاشر من ذلك الشهر. وقد ظهرت أول آثار عنايته بها في اختياره لموقعها، فقد كانت مجاورة لدار الخلافة شرق بغداد على ضفاف دجلة، وإنفاقه بسخاء على بنائها سعيًا وراء جودة البناء وطول بقائه، وقد كان بناؤها ضخمًا يعكس همة بانيها. يصف الألوسي ـ في تاريخ مساجد بغداد وآثارها ـ نظامية بغداد، فيقول: «كانت مستطيلة البناء، متناسبة الزوايا والأرجاء، فيها محل واسع للدروس، وآخر مثله معد للمذاكرة ولترويح النفوس، ومصلاها يسع من المصلين الألوف، وفيها مواضع لرؤساء العلم والمدرسين، وأفنية للذخائر وأدوات الطباخين، وكانت تشتمل على طبقتين من البناء، وفيها من الحجر والبيوت عدد كبير. وكانت المدرسة مرفوعة الجدران، مشيدة الأركان، وقد عقد في جوانبها طاقات مستديرة الشكل تنتهي إلى ذلك البنيان المشيد، وقد فرشت ساحاتها بالمرمر، وسورها مؤزر بمثله».

وألحق بهذه المدرسة، التي يتضح من وصفها أنها أشبه بالجامعات اليوم، مكتبة في مبنى خاص اتسعت مقتنياتها لتصل إلى ستة آلاف مجلد بعد قرن من وفاة مؤسسها. وقد فطن النظام لأهمية توفر المال لاستمرار عمل المدرسة، فاشترى ما حولها من البيوت والأراضي. وبنى بها أوقافًا ينفق ريعها عليها، وأوقف عليها أيضًا كثيرًا من الضياع والخانات، كما ذكر صاحب كتاب سراج الملوك.
كان النظام ينفق على هذه المدارس من حر ماله، فقد خصص نصيبه من واردات الدولة لتأسيس النظاميات والإنفاق عليها وعلى معلميها وطلابها، وجعل لها نظامًا إداريًا تسير عليه، وعين عددًا من المسؤولين عن إدارة شؤونها وكانت مدة الدراسة بها كما ذكر ابن الجوزي في المنتظم نحوًا من أربع سنوات.

أما من الناحية العلمية، فقد حرص النظام على اختيار أبرز علماء عصره للتدريس في هذه المدارس، فتولى أبو إسحاق الشيرازي التدريس في نظامية بغداد، وأبوالمعالي الجويني التدريس في نظامية نيسابور، بل لقد فرغه النظام لهذه المهمة وكفاه مؤونة عيشه، فاستمر بها مدرسًا طيلة ثلاثين عامًا، فخرّج للأمة العديد من العلماء الأجلاء كحجة الإسلام الغزالي والكيا الهراسي والطبري، وألف كتبه العظيمة التي لا نزال ننهل من موردها إلى اليوم. وكذا في بقية النظاميات في بلخ وهرات وأصفهان ومرو وآمل والري والبصرة والموصل وطوس، حيث تولى التدريس بها طائفة من أنبه العلماء.

حرص نظام الملك على أن يكون للنظاميات مستوى مرموق بين المدارس، فجعل لتعيين مدرسي النظاميات مراسم خاصة، كما ذكر ابن الساعي في كتابه الجامع المختصر، حيث كان يصدر قرار التعيين بنفسه، وهو ما يعرف بـ«التوقيع التدريسي» وهو مرسوم يتضمن اختصاصات المدرس، وبعض التوجيهات التي عليه الالتزام بها، ويذكر به ما يخصص له من جراية عينية وراتب نقدي، وربما يشار فيه إلى مهام أخرى كنظارة الأوقاف التابعة للمدرسة، ثم يخلع على المدرس جبة سوداء وطرحة كحيلة، ويسار به في موكب خاص عند ذهابه للمدرسة لأول مرة، حيث يحضر أول دروسه بالمدرسة كبار موظفي الدولة في تلك المدينة.

وكانت المناصب التدريسية في النظاميات على أربع طبقات: المدرسين، ونواب التدريس، والمعيدين، والوعاظ. وعادة ما يكون في النظامية مدرس واحد، وقد يكونان اثنين بحيث يتوليان التدريس بالتناوب. أما نواب التدريس فهم الذين ينوبون عن المدرس عند غيابه لمرض أو سفر، والمعيدون هم الذين يعيدون الدروس على الطلاب، ويقوم الوعاظ بعقد مجالس الوعظ في المدرسة بعد صلاة العصر، فكانت النظاميات مدارس شاملة تعنى بتربية العقول وتهذيب السلوك وتزكية النفوس في الوقت نفسه.

أسهمت هذه المدارس ـ كما أسلفنا ـ في تخريج العديد من العلماء والأدباء، ومنهم على سبيل المثال: الحافظ ابن عساكر، والعماد الأصفهاني، وسعدي الشيرازي، ونفع الله بها نفعًا عظيمًا في صد عاديات الابتداع، والحد من انتشار المذاهب الباطنية في الأمة.

وبفضل الله تعالى، ثم صلاح نية مؤسسها، فقد ظلت النظاميات قائمة بدورها على أكمل وجه بعد رحيل النظام إلى الدار الآخرة. ويذكر ابن العماد في شذرات الذهب أن نظامية بغداد بقيت مفتوحة نحوًا من خمسة قرون، وذكر أن من أواخر من درس فيها الفيروز آبادي صاحب القاموس المتوفى عام 817هـ.

ومع أن نظام الملك أوقف هذه المدارس على تدريس المذهب الشافعي، وشرط ذلك في من يتولى التدريس بها، إلا أن ذلك لم يكن بدافع التعصب، بقدر ما هو سعي لضبط الأمور وتوحيد الرؤية، فقد كان يمقت التعصب للمذاهب بشدة، وحين كتب له مدرس نظامية بغداد عن خلاف بينه وبين بعض أتباع المذاهب الأخرى، رد عليه بقوله: «ورد كتابك بشرح أطلت فيه الخطاب، وليس توجب سياسة السلطن وقضية المعتزلة إلى أن نميل في المذاهب إلى جهة دون جهة، ونحن بتأييد السنن أولى من تشييد الفتن. ولم نتقدم ببناء هذه المدرسة إلا لصيانة أهل العلم والمصلحة، لا للاختلاف وتفريق الكلمة، ومتى جرت الأمور على خلاف ما أردناه في هذه الأسباب، فليس إلا التقدم بسد الباب».

إشراقات سياسية

قل من ينجو من تبعة المنصب السياسي حين يتقلده، ومنصب الوزير آنذاك كما هو معروف كان بمثابة منصب رئيس الوزراء، إذ جميع السلطات التنفيذية متعلقة به، وتولي أي سلطة لا بد أن يثير بعض الناس بين عدو وحاسد ومبغض، إلا أن نظام الملك ـ كما ذكر صاحب سراج الملوك ـ «قد ضم خصومه إلى صفه، وأقام صداقة مع أولي الجاه، ووظف قدراتهم في خدمة الدولة، وأحسن إلى العدو والصديق والحاقد والمحب والبعيد والقريب».

ابتدأ حكم السلاجقة كما رأينا من مرو، وكانت لها سلطة على بعض نواحي فارس عندما التحق نظام الملك بخدمتها عام 456، وبفضل دهائه وحسن تدبيره امتد نفوذ هذه الدولة من الصين شرقًا إلى البحر المتوسط غربًا، فكانت أعظم دولة في وقتها، ولا سيما مع الضعف الظاهر للدولة العباسية.
أدرك نظام الملك أن قوة الدولة إنما تكون بإقامة العدل، وتعمير المدن، وإنشاء المرافق من مدارس ومساجد ومستشفيات، وأن الآمال لا تنتعش والاقتصاد لا يقوى إلا بإقرار الأمن وتسهيل السبل، وقد تمكن من تحقيق ذلك في أثناء وزارته، فسعى إلى تقوية الجيش وإعداده، ولم يرض بتقليل عدده عندما أوحى بعض الحاشية للسلطان بذلك، بل أقنعه أن الحاجة إنما هي لزيادته لا لتقليله، وذلك لتقوية البلاد وحفظ أمنها، والجهاد في سبيل الله والتوسع في الفتوحات.

وقد كان ذا دراية بأصول الحرب، وخبرة بقواعد الفروسية، وبراعة في التخطيط العسكري، وكان على رأس كتائب الجند يقودها للفتوحات تارة ويكون إلى جانب السلطان يساعده تارة أخرى. وقد ذكر المؤرخون أنه لم تهزم جيوش الدولة السلجوقية خلال فترة وزارته في أي معركة، وهذا من النادر في التاريخ.

ومما حرص عليه النظام تولية الأكفاء، وتقليدهم تدبير شؤون أطراف الدولة المترامية، وكان يشترط في موظف الدولة أن يكون من ذوي الاعتقاد السليم واتباع السنة، وقد حذر ابنه في وصاياه من استخدام غير المسلمين أو المبتدعة في أعمال الدولة، لأنهم ـ كما يرى ـ يبغضون الإسلام، ولا يشفقون على المسلمين، ووصف مثل هذا العمل بأنه خيانة للأمانة التي حملها. ويكفي أن نعرف أن قسيم الدولة آق سنقر جد آل زنكي تولى حكم قلعة حلب بإشارة من نظام الملك، كما ذكر ذلك أبوشامة في الروضتين، وعلى هذا فإن كل ما سمعنا عنه من الخير العظيم الذي تم على يد الدولة الزنكية ووريثتها الدولة الأيوبية، كان للنظام فيه حظ ونصيب.

ومن سمات وزارته سعيه في نصرة السنة وقمع البدعة، فقد ضيق على المبتدعة وحاربهم حربًا لا هوادة فيها، وحرص على نشر العلم الصحيح الموروث عن رسول الله [ في جميع الأقطار التي كانت للدولة عليها سلطان، وكان يصرح بعداوة الباطنية، ولا يتوارى بذلك، مع ما عرف عنهم من الغدر والاغتيال، وعندما لامه بعض الناس على ذلك، قال: «ستتذكرون أقوالي حينما تتكشف أسرارهم».
اشتهر نظام الملك رحمه الله بدهائه السياسي، وقدرته العالية على الموازنة بين الآراء والتوفيق بين الأضداد، لتحصيل المصالح العليا للدولة والأمة. ومن ذلك أنه سعى طيلة فترة وزارته لضمان استقرار الأمور واستتباب الأمن، فلم تثر في عهد ألب أرسلان وابنه ملكشاه فتنة إلا أطفأها النظام بحنكته ودهائه، باللين تارة وبالشدة تارة أخرى. وكان مهتمًا بضمان احترام سلاطين السلاجقة لمقام الخلافة، فعرف ذلك له الخلفاء العباسيون، حتى إن المقتدي أجلسه بين يديه، وقال له: يا حسن، رضي الله عنك برضا أمير المؤمنين عنك، وأسبغ عليه لقبًا لم يحصل عليه وزير قبله، وهو: «رضي أمير المؤمنين».

وقد مكنه دهاؤه هذا من البقاء في منصبه هذه الفترة الطويلة، دون أن يسلك مسالك التآمر أو الاغتيال السياسي التي يسلكها الضعفاء، بل قد أوصى أبناءه في كتابه ـ وقد تولى خمسة منهم الوزارة ـ بإثبات جدارتهم، وذكرهم بأن الدنيا لا تخلو من الأكفاء، وأن من يريد المعالي منهم فعليه أن يسعى للتفوق على أقرانه بالجد والاجتهاد، لا أن يخلي الدنيا منهم بالقتل، لأن الإيقاع بالآخرين إيقاع بالنفس في الدنيا والآخرة.

إشراقة الأفول

يندر أن نرى من عظماء التاريخ من سافرت روحه إلى الدار الآخرة وهو على سريره بين أهله وأحبابه، ويقل أن نشهد من كبار النفوس من مات حتف أنفه، وقد ختم الله حياته العاطرة بحسن السيرة والسريرة بخاتمة حسنة، ذلك أنه خرج مع السلطان ملكشاه من أصبهان قاصدًا بغداد مستهل رمضان عام 485، وفي يوم الجمعة العاشر من ذلك الشهر مر الموكب بنهاوند، فقال للسلطان وهو يسير إلى جانبه: «قد قتل ههنا خلق من الصحابة زمن عمر فطوبى لمن يكون عندهم». وحقق الله أمنيته، فجاءه صبي ـ من أتباع الحسن بين الصباح رئيس الحشاشين ـ في هيئة مستغيث ومعه كتاب يشرح فيه حاجته، وحين تناوله النظام ليقرأه طعنه الصبي وهرب، فتعثر بأطناب الخيمة وقتل، ومكث الوزير ساعة، فجاءه السلطان يعوده، فمات وهو عنده، ليدفن إلى جوار الصحابة والتابعين.

وقد كان فقده رزية عظيمة على المسلمين، قال الإمام أبوالوفاء ابن عقيل في الفنون: «ترك الناس بعد موته..أما أهل العلم والفقراء فقد فقدوا العيش بعده بانقطاع الأرزاق، وأما الصدور والأغنياء فكانوا مستورين بالاستغناء عنهم. فلما عرضت الحاجات عجزوا عن تحمل بعض ما عودوا من الإحسان، فانكشفت معايبهم من ضيق الأخلاق..فهؤلاء موتى بالمنع، وهؤلاء موتى بالذم، وهو حي بعد موته بمدح الناس لأيامه..ثم ختم الله له بالشهادة، فكفاه أمر آخرته، كما كفى أهل العلم أمر دنياهم، ولقد كان نعمة من الله على أهل الإسلام، فسلبوها». وقال مقاتل بن عطية في رثائه:

كان الوزير نظام الملك لؤلؤة
يتيمة صاغها الرحمن من شرف
عزت، فلم تعرف الأيام قيمتها
فردها غيرة منه إلى الصدف


رحم الله نظام الملك الذي كان بحق نظامًا للملك في علمه وسلوكه وسياسته، وبعث في أمة الإسلام أمثاله.

أهم المراجع:

1- ابن كثير: البداية والنهاية ج12.
2- أحمد الحسيسي: تطور الفكر الديني في إيران حتى نهاية العصر السلجوقي.
3- أحمد ناجي القيسي: الخواجة نظام الملك (مقال بمجلة كلية الآداب ـ جامعة بغداد ـ ع4).
4- حسام الدين السامرائي: المدرسة مع التركيز على النظاميات ـ بحث ضمن كتاب التربية العربية الإسلامية..المؤسسات والممارسات، صادر عن مؤسسة آل البيت.
5- رشيد الخيون: المدرسة النظامية في العهد السلجوقي (مقال بصحيفة الحياة اللندنية ـ ع14042).
6- طلال الشعبان: الحياة العلمية في عصر السلطان ألب أرسلان السلجوقي.
7- عبدالهادي محبوبة: نظام الملك كبير الوزراء في الأمة الإسلامية.
8- فاروق السامرائي: أهداف وخصائص التعليم الإسلامي.
9- محمد رجب البيومي: نظام الملك الطوسي الوزير العالم المصلح الشهير (مقال بمجلة الأزهر ـ ع27/5).
10- محمد العبدة: وذكرهم بأيام الله.






بقلم: خالد بن حمزة المدني- الرياض
المصدر: مجلة المعرفة
___________________________________________



أفـرح يا قلبي بشوفـة زينـة المــــــــلاح
يوم أقبلت كنها قمر في سمانــا يسيـــــر

يا ملـحـهـا ما ياقــف جـنـبـهــا مــــــلاح
أميــرة البــــــــدر تعطي للنجـوم تنويــر
رد مع اقتباس
  #524  
قديم 02-12-2007, 06:59 PM
**( بــــدر )** **( بــــدر )** غير متواجد حالياً
VIP من مؤسسي النبراس
 
تاريخ التسجيل: 14-07-2001
الدولة: قلبي تولع بالرياض ... حباً ورثته من الجدوود
الجنس: ذكــــر
المشاركات: 25,901

نكران وجود المورثات




كان تيوفيم دونيسوفيتش ليسنكو Teofim Denissovitch Lyssenko يشرف على الفلاحة السوفيتية خلال عدة عقود فحرمها من الاستفادة من كل ما توصلت إليه الأبحاث الحديثة في الحقلين الفلاحي والبيولوجي. وليس ذلك فحسب بل وصل الأمر بأصحاب القرار في حقل التعليم إلى تحريف المفاهيم العلمية المؤكدة التي كانت تدرّس آنذاك في المدارس خارج الاتحاد السوفيتي وتكذيبها وإدانة أصحابها. كيف تم ذلك، ومن هو ليسنكو، وما هي قصته؟

ولد ليسنكو في أوكرانيا عام 1898م وزاول دراسة تقنية فلاحية لم تصل مستوى مهندس فلاحي. وينحدر ليسنكو من أسرة فلاحين، ولذا كان ينتمي إلى ما كان يسمى آنذاك بـ «النخبة الحمراء» التي اعتمد عليها النظام السياسي لمواجهة «النخبة البورجوازية». وقد لفت ليسنكو الأنظار عام 1929 عندما عرض تجربة فلاحية بدت مثيرة تتمثل في كون حبوب فصل الشتاء يمكن أن تعطي سنابل حتى لو زرعت خلال الربيع، شريطة أن نوفر لها ظروفًا معينة (رطوبة الجو، درجة الحرارة...إلخ). ولهذا سميت التجربة «استرباع» Vernalisation (نسبة الى الربيع) .

والواقع أن ليسنكو لم يأت بجديد في هذا الموضوع لأن هذه التقنية كانت معروفة لدى الفلاحين لكنها لم تكن ناجحة في جميع الأحوال. وحتى يسلط ليسنكو الضوء على هذه التجربة طلب من أبيه أن يبلل نصف قنطار من قمح الشتاء وأن يزرعه إلى جانب قمح الربيع فأتت هذه التجربة بمردود عال. ولا بد أن نشير هنا إلى أن طريقة الاسترباع كانت محل دراسة وبحث ـ ولاسيما بين 1936م و1950م ـ في العالم الغربي من قبل عديد من العلماء أمثال غريغوريF. G. Gregory وبورفس O.N. Purvis في بريطانيا وملشرز G.Melchers ولانغ A.Lang في الولايات المتحدة.

ومن ثم طلب وزير الفلاحة من جميع موظفي وزارته زيارة مزرعة والد ليسنكو. وعين هذا الأخير على رأس معهد علم الوراثة بمدينة أدساOdessa ، حيث فُتح قسم خاص بالبحث في «الاسترباع» بغرض جعل حد لكارثة 1927ـ 1928 الفلاحية التي شهدها الاتحاد السوفيتي. وفي ذلك الوقت كان لينين قد قرر إسناد المسائل العلمية للعلماء. لكن ستالين قام بتطهير صفوف الحزب الشيوعي من هؤلاء العلماء ذوي التوجه «البورجوازي». ووعد ليسنكو السلطات بمحاصيل زراعية كبيرة خلال فترة وجيزة في الوقت الذي كان خبراء الفلاحة يتحفظون عن إنتاج مثل تلك المحاصيل حتى في ظرف خمس سنوات.

ولا يمكننا الحديث هنا عن ليسنكو دون التطرق الى العالم نيكولاي ففيلوفVavilov . إنه أبرز عالم عرفه آنذاك الاتحاد السوفيتي في حقل البيولوجيا. وقد ساند ففيلوف في البداية ليسنكو مشيدًا بتجربته في الصحف (مثل ما جاء في مقاله المنشور بصحيفة الإيزفستيا في عددها الصادر يوم 6/11/1933م)، حيث وصف تجربة ليسنكو بالاكتشاف الثوري. وهو ما جعل ليسنكو يحمّل تجربته أكثر مما تستحق. والواقع أن ليسنكو لم يكن يؤمن بعلم ففيلوف وأفكاره، بل كان يثق في أفكار أحد الفلاحين الأميين الذي توفي عام 1935م قبل أن يمنحه النظام السياسي لقب «البيولوجي العبقري». وكان ليسنكو و«البيولوجي العبقري» يرفضان رفضًا باتًا النظريات العلمية المعروفة وينظران باحتقار إلى أصحابها، أمثال مندل Mendel وباستور.Pasteur

لكن رجال الحزب ملوا الانتظار عام 1935م من جراء ما كان يعانيه القطاع الفلاحي من تدهور. وظل صغار الفلاحين يرفضون الانضمام إلى التعاونيات التابعة للدولة. ومحاولة للخروج من هذا المأزق السياسي قام ليسنكو في مطلع عام 1935 بهجوم على علم الوراثة التقليدي، أي العلم المتداول في الغرب. واتهم أصحابه بمعاداتهم للشيوعية فلقيت هذه الحملة صدى واستحسانًا لدى ستالين. فمن يتجرأ بعد ذلك على المساس بليسنكو؟ لقد صار يلقب في وسائل الإعلام بـ «عبقري الأرض» و «الأستاذ الحافي القدمين». وتدعمت سلطته وزاد نفوذ الموالين له وصاروا يتحدثون في مصطلحاتهم عن «علم الوراثة الرأسمالي» المناهض لـ«علم الوراثة البلوليتاري».

كان ليسنكو يعتقد أن طبيعة النبات تتأقلم وتتحول كطبيعة البشر، وهي نظرة تتماشى تمامًا مع وجهة النظر الماركسية اللينينة لعلاقة الكم بالكيف. وعليه زادت أفكار ليسنكو رواجًا في جهاز السلطة. ومن هذا المنظور رفض ليسنكو مثلاً قوانين مندل لأنها مؤسسة على الاحتمالات الإحصائية. وفي هذا الخضم انعقدت جلسة خاصة لأكاديمية العلوم الفلاحية عام 1936م ألقى فيها ليسنكو خطابًا كان بمثابة إعلان حرب صريح على علم الوراثة.

ومن ثم طلبت السلطات من ممثل هذا العلم، الأستاذ ففيلوف، أن ينتج في ظرف ثلاث سنوات أنواعًا من القمح تتوفر فيها الخصائص المطلوبة في كل منطقة من مناطق الاتحاد السوفيتي المترامي الأطراف. وعندئذ صرح ليسنكو بأنه مستعد لإنتاج تلك الأنواع خلال عامين ونصف. وصادف ذلك اقتراح ففيلوف (بتكليف من السلطات السوفيتية) على المؤتمر الدولي لعلم الوراثة بأن ينعقد عام 1937م بموسكو. ولو انعقد ذلك المؤتمر هناك لانكشف واقع علم الوراثة في هذا البلد ولانكشفت معه سلوكات ليسنكو غير العلمية. لكن ستالين ألقى خطابًا في ربيع 1937م تحدث فيه عن الإجراءات ضد من سماهم «الخونة». وفي ذات الوقت نشر مقال يدين علماء الوراثة ووصفهم «بالمخربين المناوئين للطبقة (الشغيلة) والراكعين أمام آخر التصريحات الرجعية للعلماء الأجانب».

ولذلك أجل انعقاد المؤتمر، حيث نظم عام 1939م خارج الاتحاد السوفيتي. ولم يبق إذًا لففيلوف ـ الذي كان عضوًا في أكاديمية العلوم ومديرًا لمعهد الوراثة والفائز بجائزة ستالين والمتوج بلقب بطل الاتحاد السوفيتي ـ سوى الابتعاد تاركًا مكانه شاغرًا لفئة ليسنكو. وهكذا تولى هذا الأخير رئاسة أكاديمية العلوم الفلاحية وأدان ففيلوف حالة البيولوجيا في بلاده. وما إن حل شهر أغسطس من عام 1940 حتى أوقفته الشرطة السياسية وهو يجوب حقل قمح في أوكرانيا باحثًا عن عينات نباتية متهمًا بالقيام بأعمال ثقافية تخريبية وبالتجسس لصالح بريطانيا وبالانتماء إلى منظمة يمينية، فحكم عليه بالإعدام الذي حول الى السجن المؤبد. وهكذا مات ففيلوف في حزن وأسى بعد عامين من سجنه، ولم يعد إليه الاعتبار إلا عام 1956م.

وظل ليسنكو يصول ويجول وحده في الميدان، ينصب أصدقاءه حيث يشاء بما في ذلك وسائل الإعلام. ورغم هذا لم يتمكن من الهيمنة على كامل قطاع البيولوجيا في الجامعات والمعاهد العليا، ولاسيما أن ظروف الحرب العالمية الثانية أدت الى هدنة بين المتصارعين في مجال الفلاحة. وما إن وضعت الحرب أوزارها حتى عادت قضية ليسنكو والبيولوجيا إلى السطح. ولما فشلت سياسة السلطة في سياسية ضم الفلاحين إلى التعاونيات فرضت عليهم ضرائب لا تطاق لإجبارهم على الانضمام. ولسوء الحظ لم يؤد هذا الإجراء إلى تحسين المردود الفلاحي بل جعل الفلاحين الشباب يهجرون الأرض ويبتعدون عن الفلاحة فازداد الطين بلة وصار النظام أمام كارثة جديدة.

وفي الوقت نفسه كانت البحوث في حقل البيولوجيا وعلم الوراثة في تزايد مستمر خارج الاتحاد السوفيتي. وهذا الوضع أدى ببعض المسؤولين إلى فقدان بعض الثقة في سياسة ليسنكو. ولذا نجد مقالا في مجلةScience الأمريكية، نشر عام 1945م بقلم أحد العلماء السوفييت، ينتقد فيه نظرية ليسنكو. ولا شك أن هذا المقال قد كتب بإيعاز من السلطة آنذاك. ورغم ذلك ظل بعض السياسيين مستغربين في منجزات ليسنكو وتجاربه داخل مزرعته قرب موسكو، حيث كانت أبقاره وأشجاره مضرب الأمثال. أما رجال العلم فقرروا الكتابة إلى اللجنة المركزية للحزب الشيوعي عن مضار أفكار ففيلوف عام 1947م.

وفي عام 1948م ألقى أحد العلماء (وهو ابن واحد من أبرز السياسيين آنذاك) محاضرة أمام أعضاء الحزب التابعين لمنطقة موسكو حطم فيها أفكار ليسنكو في الحقل الفلاحي. ويروى بهذا الخصوص أن ليسنكو كان قد اختبأ في قاعة مجاورة عند إلقاء المحاضرة واستمع إلى كل ما قيل خلال تلك الجلسة. وعندئذ لجأ ليسنكو إلى حيلة تتمثل في طلب النجدة من ستالين شخصيًا فاستقبله ستالين. وعرض ليسنكو أمام الزعيم فكرة مضاعفة إنتاج القمح خمس مرات ... مذكرًا أن الفضل، كل الفضل، يعود لستالين الذي كان قد سلمه في الماضي كمية من سنابل القمح طالبًا منه دراستها لتحسين نوعية حبوبها. وها قد فعل، وتحسنت نوعية تلك الحبوب!! فما كان من ستالين إلا أن استدعى منظمي المحاضرة وهددهم قائلاً «من تجرأ على الإساءة الى هذا الرجل البطل (أي ليسنكو)؟».

ثم قام ستالين بتسمية خمسة وثلاثين عضوًا جديدًا من تيار ليسنكو في أكاديمية العلوم الطبيعية. فتحرّر ليسنكو مجددًا ... وتسبب هذا «التحرر» في طرد وعزل وسجن وتحويل إلى أماكن نائية قرابة ثلاثة آلاف مختص في البيولوجيا، ولاسيما من صفوف أولئك الذين لم يميلوا إلى فكر ليسنكو. كما طهرت مؤسسات التعليم من هذه الفئة وأغلقت مراكز البحث البيولوجي وصار علم الوراثة علمًا شبه ممنوع في الاتحاد السوفيتي، ورفضت في المدة الممتدة من 1948 إلى 1952م كل المفاهيم الوراثية المتداولة في الغرب، بل بلغ الأمر إلى حدّ نكران وجود المورثات. تمت هذه العملية خلال فترة لم تتجاوز بضعة شهور.

وأكد ليسنكو مقدرته على تحويل القمح إلى شيلم (جاودار) والشوفان (الخرطال) إلى شعير والصنوبر إلى تنوب. وكان قاب قوسين من الإعلان عن مقدرته على جعل الكلاب التي تعيش في الغابة تلد ثعالب. وقد حيّا بعض الزعماء انتصار «علم حقيقي» يستند إلى المبادئ المادية وليس إلى «المخلفات الرجعية والمثالية في العمل العلمي». وقد أدت مجمل هذه التصريحات والأفعال بالبيولوجيا في هذا البلد إلى عهد ما قبل باستور. ولذلك احتج بعض كبار العلماء الغربيين المنتسبين إلى أكاديمية العلوم السوفييتية على هذه الوضعية باستقالتهم من هذه المؤسسة. ومن بين هؤلاء المستقيلين نذكر عالم البيولوجيا الأمريكي المقرب من الاشتراكيين هرمن جوزف H. J. Muller (1890- 1967) والحائز على جائزة نوبل عام 1946م في حقل الفيزيولوجيا والطب.

وعندما تبنت السلطة الرسمية في موسكو فكر ليسنكو كحقيقة انقاد العلماء الشيوعيون في البلدان الأخرى وراء هذه الأفكار الغريبة. وليس غريبًا أن نجد ذكر ليسنكو حتى في مؤلفات العلوم الإنسانية في العالم الغربي مثل كتاب «الرجل المتمرد» للمفكر ألبرت كامو Camus الصادر عام 1951م. واختلط الحابل بالنابل لدى العلماء، فمنهم من خشي معارضة النظام القائم، ومنهم من رأى من واجبه التكتيكي تبني فكر ليسنكو قبل احترام الحقيقة العلمية. وتأثر ستالين بتلك الأفكار فأعلن عن مشروع طموح يرمي إلى نقل فلاحة الجنوب إلى الشمال بـ«تحويل الطبيعة» مع زيادة إنتاج فلاحة الربيع على حساب فلاحة الشتاء. لكن المشروع باء بفشل ذريع.

ورغم ذلك استطاع ليسنكو أن ينسي الناس، أو بعضهم، في العمليات والتجارب الفاشلة، فهو داهية في مثل هذه المواقف. وليس هذا فحسب بل عرف قمة مجده في مطلع الخمسينيات فنحتت لشخصه التماثيل ولحنت على شرفه الأناشيد. ومرت الأيام وعادت الشكوك في جدية أفكار ليسنكو إلى الأذهان. وعندما اعتلى خرتشوف سدة الحكم عام 1956م أعاد الاعتبار إلى ففيلوف وسمح بمعارضة تيار ليسنكو. ومن ثم فقد هذا الأخير بعض هيمنته على أعضاء الأكاديمية العلمية، لكنه لم يفقد أصدقاءه السياسيين في الحزب والحكومة. وحاول ليسنكو بشتى الوسائل التقرب من خرتشوف حتى تمكّن من ذلك عام 1957م.

وخاب ظن العلماء البيولوجيين فراحوا ينشرون مقالات حول الوراثة في مجلات بعيدة عن تخصصهم مثل المجلات التي تعنى بالرياضيات والفيزياء والكيمياء. ذلك أن الحديث في موضوع الوراثة كان غائبًا حتى عندما اكتشف العالم الديناADN عام 1962م. وكما أسلفنا، فقد ربط ليسنكو علاقات مع خرتشوف فأمر هذا الأخير رئاسة الحزب بزيارة المزرعة النموذجية التي يشرف عليها ليسنكو قرب موسكو عام 1962، وهذا كرد على مزاعم أعداء ليسنكو.

لا بد أن نشير في هذا السياق، رغم كل ما يقال، أن أكاديمية العلوم من المؤسسات القلائل في الاتحاد السوفيتي التي حافظت على مر الأزمان ببعض الحريات في ظل الحكم الشيوعي، وحتى قبل ثورة 1917م. وفي عام 1964م، حدث الذي حدث لدى انتخاب أعضاء الأكاديمية، حيث نهض أحدهم وتوجه إلى زملائه قبل بدء التصويت محذرًا من مغبة انتخاب فئة ليسنكو التي تتحمل مسؤولية عظمى بخصوص ما حل بالبلاد في المجال العلمي. كان هذا المتدخل هو أندري سخاروفSakharov الذي صار فيما بعد من رجال العلم السوفييت المنشقين عن النظام.

ولم تمض أشهر على هذه الحادثة حتى أزيح خرتشوف من رئاسة الاتحاد السوفيتي في فبراير 1965م، وفي الوقت نفسه أقيل ليسنكو من كل مهامه ونزعت التماثيل المقامة من أجله وتوقف عزف الأناشيد المشيدة بشخصه وأفكاره فالتحق بمزرعته. ولم تكتف السلطات بهذه الإجراءات بل شكلت لجنة تحقيق في أعمال ليسنكو العلمية وفي مزرعته. فتبين أنه كان يتعمد تزوير الحقائق والأرقام في تقاريره. واكتشفت اللجنة أنه كان يغذي أبقاره بالشوكلاته والبسكويت وبأنواع أخرى من المقويات. وهكذا سقط ليسنكو ونظرياته التي كانت تدرس بالمدارس للطلبة والتلاميذ قبل أن توافيه المنية عام 1976.. وبعد أن عانت الفلاحة السوفيتية من فكره الاعتباطي عدة عقود.

بعض المراجع:


Marcil C., Le professeur aux pieds nus,
http://www.sciencepresse.qc.ca/ scandales/Lyssenko.html
Encyclopedia Universalis, Paris, 1997.
Camus A., L'Homme révolté, Gallimard, Paris, 1951.
Dorozynski A., L'institut Vavilov Eldorado des botanistes, Science & Vie n* 922, July 94.







بقلم: د. أبوبكر خالد سعد الله
المصدر: مجلة المعرفة
___________________________________________



أفـرح يا قلبي بشوفـة زينـة المــــــــلاح
يوم أقبلت كنها قمر في سمانــا يسيـــــر

يا ملـحـهـا ما ياقــف جـنـبـهــا مــــــلاح
أميــرة البــــــــدر تعطي للنجـوم تنويــر
رد مع اقتباس
  #525  
قديم 03-12-2007, 05:20 AM
الصورة الرمزية همسات
همسات همسات غير متواجد حالياً
*&^ أميرة البدر ^&* من مؤسسي النبراس
 
تاريخ التسجيل: 20-07-2001
الدولة: قطــــــــــــــــــر
الجنس: أنثــى
المشاركات: 127,151
عين على القدس

عرض/زياد منى
هذا الكتاب عمل موسوعي كبير ومهم، قسمه فريق عمل مكون من ستة باحثين وحرره السيد زياد محمد، إلى ثمانية فصول تستعرض مختلف جوانب حياة المدينة والأخطار المؤثرة فيها.

يسبق هذه الفصول ملخص تنفيذي ومقدمة، وينتهي كل منها بتوصيات عامة إلى الجهات الفلسطينية والعربية والدولية ذات العلاقة، إضافة إلى عرض لأحداث العامين كل يوم على حدة.


المقدسات الإسلامية
في الفصل الأول يقرر الكتاب أن عام 2005 كان حاسمًا للقدس والحرم الشريف، الذي يضم المسجد الأقصى المبارك وقبة الصخرة المشرفة، حيث هدفت إسرائيل إلى كل ما من شأنه تحقيق سيطرتها الأمنية والبلدية الكاملة عليه بهدف تحويله إلى مكان عبادة مشترك لليهود والمسلمين، عبر اعتداءات مؤسسات حكومية وغير حكومية بإجراءات نذكر منها:


-الكتاب: عين على القدس (كتاب القدس 2005-2006)
إعداد: فريق عمل
-الصفحات: 669
-الناشر: مؤسسة القدس الدولية, بيروت
الطبعة: الأولى/2007



1- خلق ما أسماه التقرير "مجالا أمنيا" في المسجد ومحيطه يسمح بمراقبته ورصد تحركات كل من فيه على نحو محكم عبر استحداث جدار إلكتروني لمراقبة المكان المقدس وزوراه يضم شبكة كاميرات رقمية مزودة بأجهزة رصد ليلي ومجسات حرارية ورصد إلكتروني شملت أبواب المسجد وساحاته ومعالمه جميعها.

ومن ثم إنشاء سياج إلكتروني على امتداد سوره، وتوسيع الساحات الجنوبية، وساحة المبكى، و"حديقة داود" على امتداد حي البستان في سلوان، والكشف أثريًا عما ادّعي أنه "مدينة تاريخية يهودية" في الفضاء التحتي تضم شبكة أنفاق رومانية، وافتتاح موقع سياحي تحت الحرم الشريف أطلقت عليه إسرائيل عليه اسم "سلسلة الأجيال" لسرد ما تدعيه من تاريخ اليهود في المدينة، إضافة إلى افتتاح كنيس يهودي تحت المحكمة الإسلامية الملاصقة للمسجد الأقصى.

كما عمدت إسرائيل إلى انتزاع حقوق ترميم الحرم الشريف، وكذلك إعلان أن ساحاته عامة مما يعني وضعها في تصرف البلدية بهدف تأمين مكان للمصلين اليهود فيه وهو ما يدعم وجهة نظر مصدري التقرير بأن هدف إسرائيل الحالي هو تقاسم الحرم الشريف وليس هدمه.

2- الاعتداءات على الطابع الإسلامي للمدينة المقدسة بهدف طمس معالم هويتها الإسلامية باستهداف كل ما يعبر عن شخصيتها، بدءًا من الحرم الشريف، ومرورًا بالمساجد والأوقاف والمقابر، عبر المصادرة والهدم والسيطرة والإغلاق.

والهدف الواضح هو طمس الحاضر لصالح تاريخ مزعوم يتم الإعداد له "لإحيائه مستقبلاً" بالمتاحف والحفريات التاريخية تحت أسس المعالم الإسلامية التاريخية.

ومن الأمثلة التي يسوقها التقرير في هذا المجال إنشاء متاحف ووضع أراضي مقبرة مأمن الله (200000 م2) غرب المدينة القديمة في تصرف شركات تطوير.

"
في عام 2005 سعت إسرائيل إلى كل ما من شأنه تحقيق سيطرتها الأمنية والبلدية الكاملة على الحرم الشريف بهدف تحويله إلى مكان عبادة مشترك لليهود والمسلمين، عبر اعتداءات مؤسسات حكومية وغير حكومية
"
ويضاف إلى ذلك اعتداءات معنوية منها توزيع خرائط على السياح والتلاميذ اليهود تضع ما يسمى "الهيكل الثالث" مكان قبة الصخرة المشرفة، وتصريحات عدائية مستمرة .. إلخ.

ويورد هذا الفصل مجموعة من التوصيات إلى الأطراف ذات العلاقة: الفلسطينية والعربية والمجتمع الدولي وهيئاته.

ولكنه يخص بالذكر الحكومة الأردنية التي يطالبها صراحة بتحمل مسؤوليتها إزاء هذه التحديات المصيرية التي تواجه المدينة أو إعلان عجزها وإحالة المسؤولية لمن يستطيع ذلك.


المقدسات المسيحية/الوجود الأرثوذكسي
يلخص التقرير في الفصل الثاني هدف إسرائيل في هذا الخصوص بانتزاع ما أمكن من الكنيسة الأرثوذكسية تحديدًا، من الممتلكات مقابل الاعتراف بزعاماتها. ويلقي هذا القسم الضوء على أزماتها وعلاقتها ببيع بعض ممتلكاتها لإسرائيل.

ويستعرض هذا الفصل تاريخ الكنيسة الأرثوذكسية في مدنية القدس وبنيتها والمراحل التاريخية التي مرت بها من حيث كونها عربية الأصول (آخر بطرك عربي كان عطا الله المعروف باسم دوروتاس الثاني: 1505-1534 م)، ومن ثم تحولها إلى يونانية في الوقت الحاضر بسبب تدفق الكهنة اليونان من القسطنطينية/إسطنبول إلى القدس في العهد العثماني.

كما يتعرض إلى معركة تعريب الكنيسة (الأوقاف الكنسية في القدس وبلدات فلسطينية كبرى مثل: بيت لحم وبيت جالا والناصرة)، وكذلك بيع بعض ممتلكاتها هي والكنيسة الكاثوليكية لإسرائيل ومن ذلك جبل أبوغنيم ومأوي المسكوب وأراضي جبل الطور.

ويشير هذا الفصل أيضًا باقتضاب إلى أمور مهمة أخرى منها رئاسة الكنيسة والوصاية القانونية على أملاكها وأوقاف باب الخليل، إضافة إلى فضائح التفريط في أملاك الكنيسة التي قام بها البطرك اليوناني إيرينيوس الأول ومسؤوله المالي وغيرهما، وانتهت بعزله من منصبه البطركي عام 2006 وهو أمر غير مسبوق في تاريخ الكنيسة الأرثوذكسية.

ومن الأمور الجديرة بالذكر اتهام التقرير الحكومة الأردنية بالتواطؤ مع البطرك المخلوع من حيث رفض التصدي له ولأعماله مع أنها مسؤولة قانونيًا عنه، وكذلك إعلان ملكها ثقته التامة بالبطرك إيريونيوس بائع الأملاك والأوقاف الكنسية لليهود وإسرائيل، في ذروة الفضيحة.

ويرى التقرير أن حل المشكلة يكمن في تعريب الكنيسة، وهو مطلب فلسطيني مسيحي في المقام الأول.


شؤون أهل المدينة
"
يعاني المقدسيون وضعًا اجتماعيًا واقتصاديًا متدهورًا حيث تعد 64% من العائلات المقدسية فقيرة، ويعيش 76% من أطفالها تحت خط الفقر، ولا يحصل سوى 40% من المقدسيين على الحد الأدنى من الأجور
"
في الفصل الثالث يستعرض ما يواجهه المقدسيون جراء الجدار العازل، والآثار الكارثية لعملية سلخهم عن مدينتهم حيث يفصل المعلمين والطلاب عن مدارسهم ويقطع الأوصال التجارية للمحيط المعتمد على الزراعة، علمًا بأنهم لا يعدون من مواطني دولة إسرائيل (حملة البطاقات الزرقاء). وهؤلاء لا يسمح لهم التعاطي مع امتدادهم السياسي والبرلماني.

كما يعاني المقدسيون وضعًا اجتماعيًا واقتصاديًا متدهورًا حيث تعد 64% من العائلات المقدسية فقيرة، ويعيش 76% من أطفالها تحت خط الفقر، ولا يحصل سوى 40% من المقدسيين على الحد الأدنى من الأجور، وفق التقرير.

كما يعاني المجتمع المقدسي جراء تلك الأحوال، آفات حقيقية مثل الإدمان على المخدرات، مما دعا النائب المقدسي عن المقعد المسيحي برنارد سابيلا إلى التحذير من أن استمرار الوضع القائم فيها سيؤدي إلى خسارتها عربيًا وإسلاميًا ومسيحيًا في المعادلة السياسية.

ويتعرض الفصل أيضا إلى موقع المقدسيين من الانتخابات الرئاسية والبلدية والتشريعية والجامعية.


الاستيطان وشؤون الاحتلال
المادة الرئيس في هذا الفصل -وهو الرابع- هي استعراض ورصد الإجراءات الإسرائيلية لإعادة رسم شكل المدينة ماديًا وسكانيًا، لتحويلها إلى عاصمة للدولة اليهودية باستخدام الجدار العازل وتحويل مداخل المدينة إلى معابر دولية، وإجراءات تعسفية أخرى لإذلال المقدسيين القادمين والمغادرين.

أما الهاجس السكاني التي يطلق عليه التقرير صفة "نقطة الضعف الكبرى" فهو أكثر ما يقلق إسرائيل حيث تتمركز