ناش ماركت» .. تجربة سياحية فريدة في نوعها فيينا كما لم تعرفها من قبل -
هذه صغيرة حمراء، وتلك طويلة صفراء، أما هؤلاء فخاطفات لونين، وفي هذا الجانب فإن الغلبة للون الكستنائي والفوشيا مع نقط سوداء وتلك خضراء مظللة وبجانبها اخرى تركوازية وفستقية... تلك وغيرها من الوان واحجام واشكال ومسميات، ستأخذ عقلك، اذا ما اكتفيت بالاستمتاع بمنظرها فقط.... فكيف سيكون الحال لو تذوقتها؟ انها انواع وانواع من الفاكهة والخضراوات واللحوم والاسماك والاجبان والحلويات والمعجنات والبهارات. عزيزي السائح: تلك وكثير غيرها نعم يمكن ان تستمتع بها، لو جعلت زيارة الناش ماركت (Nashmarket) جزءاً من برنامج زيارتك وانت تزور فيينا العاصمة النمساوية. وصدقني فانها زيارة لن تقل متعة عن زيارتك الى الاوبرا والقصور الملكية والحدائق العامة، وفوق ذلك فانها رحلة تسوق ارخص من اي سوق آخر، كما انها رحلة جغرافية وسياسية الى عالم مصغر يقع على ضفة نهر فيينا بين شمال ويمين الزايلا.
الناش ماركت، هو سوق من اشهر واقدم اسواق العالم للاطعمة الطازجة، يمتد على مساحة 1.5 كيلومتر ويعود تاريخه للقرن السادس عشر، ورغم ان كلمة «ناشن» تعني اكل الحلويات، فانه يبيع الحلويات، ضمن مبيعاته الاخرى، وتقول مصادر إن اصل الاسم يعود لاسم معدات بيع الالبان ومنها تحرف، بينما لا تستبعد مصادر اخرى ان يكون اصل الكلمة «اش» بمعنى رماد، وذلك لقربه في الزمان الماضي من موقع منزل دمر للكونت اشتارهمبرغ، وايا كان المصدر، فان السوق تغير وتبدل وتطور ولا يزال، وان ظل اساسا صفين من الدكاكين، تمتد امامهما طبليات يتحرك خلفها الباعة وبعضهم مزارعون يسوقون منتجاتهم بينما الغلبة للتجار ممن يشترونها، ومن التطورات التي يمر بها انضمام جماعات جديدة من الباعة يعرضون ملابس ومصنوعات يدوية، اما يوم السبت فهو يوم خاص، اذ تضم فسحة بالقرب من السوق اليومي، سوق «خردة»، تجد فيه قطع انتيك ومعدات واجهزة واواني وقطع اثاث وملابس ومفارش واشياء لا تخطر على البال قد تكون من ضمنها (ان كنت محظوظا) لوحات قيمة وكتب نادرة وطيور وحتى «اكسسوارات» كختم واقرطة بعضها بتصاميم «مجنونة» جنون بعض الفنون الحديثة، وبعضها ملوكي يفوح بعبق الامبراطورية الذي يتناثر من اركان المدينة ومبانيها، بعضها جديد واكثرها سبق استخدامه.
وهنا يجدر ان انوه لضرورة التمعن والاستمتاع بروعة وزخرفة واجهات المباني المقابلة للناحية الشمالية من السوق الذي هو على بعد امتار من اشهر المواقع السياحية بقلب فيينا القديمة، حيث الاوبرا والمتاحف والقصر الشتوي وكارلس بلاتز ويمكن الوصول اليه على الاقدام ان كنت بالقرب من اي من هذه المواقع، ومحطته على قطار الانفاق رقم 4 هي Kettenbrücken gasse.
وللناش ماركت زبائنه الذين يمكن ان تضبط عليهم الساعة، كما وصفتهم لي زوجة الحاج ابراهيم المصري صاحب محل الخضراوات لاكثر من 30 سنة، وهناك زبائن يأتون في مواسم معينة، ككثرة المسلمين ابان رمضان والاعياد، حيث تتوفر الحلويات والخبائز بأنواعها واللحوم الحلال، وكذلك التمور والقمردين والبهارات، اما الطعمية فهي انعكاس حقيقي للمعركة السياسية والتجاذب في الملكية بين اليهود الذين غزوا السوق في الفترة الاخيرة كمشترين للدكاكين والعرب، خاصة وانها كطعام نباتي اصبحت تجد رواجا كبيرا.
والسوق عموما بوتقة دولية في اطار نمساوي، يفرض النظافة والنظام والمواعيد والحرص على إظهار الاسعار، وان كان الاجانب من الباعة والمتسوقين، قد اكسبوه حيويتهم، ومع الشطارة في التعلم وكسب الرزق، يعكس السوق الكثير من التداخل والمهارات، وذلك ما لحظته، فقد باعني بائع من طشقند محاشي يونانية مشكلة، اعتقد انه برع في صنعها اكثر من نساء اثينا ممن يجدن تحضير السوفلاكي ويرقصن السرتاكي.
وبالناش ماركت هناك من يتسوق يوميا ومع لحظة افتتاح الدكاكين في السابعة صباحا، وهؤلاء معظمهم متعهدو اطعمة للمدارس والفنادق بوسط البلد، ممن يشترون كميات مهولة من الخضراوات والفاكهة والاسماك الطازجة، ثم رويدا رويدا تبدأ طلائع ربات البيوت ممن يتمهلن في الاختيار ما بين اكثر من عشرات انواع التفاح والجزر والبامية والبطاطس، وكل ذلك وغيره تختلف انواعه وطرق طهيه ليس باختلاف الحجم فقط، بل اللون والنكهة والطعم، فتتنوع المعروضات بتنوع مصادرها فهذه من المغرب وتلك من الاكوادور واخرى من ايطاليا او الاردن وهاواي وازبكستان، وحتى لو كنت ملما بالكثير فلا بد ان يستوقفك نوع تسأل عنه ومن اين اتى وكيف يؤكل..؟؟ وبمرور اليوم تتنوع اللغات، كما يتنوع الحضور، من موظفين مسرعين للاستفادة من التسوق اثناء «ساعة الغداء» الى سياح امامهم فرصة الاستمتاع بهذا العالم المختصر، ممن يكتفون بالفرجة او شيء من التذوق، فيشترون قطعة بقلاوة قبرصية او ساندوتش شاورمة تركية او حلاوة لكوم ايرانية او مكسرات مكسيكية او بيتاهاقا من فيتنام وهي «فاكهة لم اذقها لكنها جميلة الشكل بديعة الألوان او حبة اناناس، اما الموز فمنه برازيلي صغير بحجم الاصبع وهو حلو شديد الحلاوة، ومنه ضخم يقطع شرائح ويحمر ليؤكل كخضار مع انواع من «الصوص» الحار كما هي عادة دول كثيرة بغرب افريقيا ويسمونه بلانتين. ولن احدثكم عن زخم الاجبان والمأكولات الايطالية والتفنن في تحضير الاسماك واطعمة البحر، او انواع الخبز ودعكم من القهوة والاشكال المختلفة للورد والازهار، ولكنني انوه لضرورة الحصول على نسخة مجانية من المجلة الخاصة بالسوق، وذلك حتى لا يفوتكم حضور حفلة من حفلات فرقته الموسيقية وغيرها من الخدمات الاخرى. الحضور العربي بالسوق واضح، وهناك تجار عراقيون بعضهم من المثقفين الذين اضطروا لترك العراق ابان الحكم المخلوع، كما هناك سوريون ومصريون، كما يفيض باتراك وطجكستان وازبكستان وبالطبع شرق اوروبيين، اما الدكاكين الصينية فهي انعكاس واضح للاكتساح الصيني، ففي قلب السوق اوجدوا «صينهم» وفيها مطعم ومتجر، حيث يبيعون من الزنجبيل الى الصويا والتوفو وحتى المدق والمقشة ولا استبعد وجود انواع اخرى من البضائع، فهناك تماثيل وقد لمحت فساتين!! فقط انصح بضرورة تحديد ميزانية محددة، قبل بدء جولتك، والا فستنتهي بصرف مبلغ كبير، دون ان تشعر بذلك، خاصة ان الاسعار تبدو رخيصة، مما يغريك بمزيد من الشراء والشراء!!