| رسالة طويلة من الحين اقلكم يا أبناء النبراس، رضا الوالدين و برهما سبب في حلول الفَرَج إذا بلغت الشدة غايتها وتسهيل العسير وتحقق الأماني، وقصة أصحاب الغار برهان على ذلك. الولد البار ـ يا أبناء الإسلام ـ يهنأ بعمره ويطمئن في عمله، وتحفه السعادة من كل جانب، ((من بر والديه طوبى له، زاد الله في عمره)) ضعفه الألباني، فما أحلى الحياة إذا طال فيها العمر وانبسط فيها المال وغمرتها السعادة، وما أهنأ العيش إذا رافقته طمأنينة النفس وراحة الضمير ومحبة الناس والحديث عن بر الواليدن عبارات حديثٍ عن حق لا ينسى، وأنى للعبارات عن بر الوالدين أن توفيهما حقهما؟! إنه حديث عن الأمّ التي تحملت ما يفوق الوصف عن آلام الحمل والولادة وهموم الرضاع، سهر بالليل ونصب بالنهار في سبيل الرعاية والحماية لوليدها. إنها الأم التي تذبل لذبول وليدها، وتغيب بسمتها إن غابت ضحكته، وتذرف دموعها إن اشتد توعكه، وتحرم نفسها الطعام والشراب من أجله، وتلقي نفسها في النار لتنقذه، وتتحمل من الذل والشقاء أمثال الجبال كي يحيا ويسعد. إن حق الأم على الولد عظيم، وشانها كبير، فلا تدعُها باسمها، بل نادها بما تحبّ من اسم أو كنية، لا تجلس قبلها، ولا تمشي أمامها، قابلها بوجه طلق، قبل رأسها، والثم يدها، إذا نصحتها فبالمعروف من دون إساءة، أجب دعوتها إذا دعتك من دون ضجر أو كراهية، تكلم معها باللين، أطعمها إذا جاعت، أو اشتهت صنفًا وإن تأنيت في ذلك، أهدها قبل أن تسأل شيئًا، تحسَّس ما تحبّ فاجلبه لها، كن خادمًا مطيعًا لها، أطعها في غير معصية، لا تسبقها بأكل أو شرب، أبهجها بالدعاء لها آناء الليل وأطراف النهار بالرحمة والمغفرة، غضّ الطرف عن أخطائها وزلاتها، لا تتأسّف أو تحدّث أحدًا عن سبيل الشكاية أو النكاية، وقّـرها واحترمها، لا تتكبّر عليها فقد كنت في أحشائها وبين يديها، أدخل السرور عليها، صاحبها بالمعروف، اطلب الدعاء منها فله تفتح أبواب السماء. إنها الأم التي يرقص قلبها إذا ضحك الوليد، ولا تسعها الدنيا نشوة إذا حبا أو مشى، وتسمع نغم الدنيا في كلمته، وترى الحياة كلها نورًا وجمالاً وهي تراه مع الصبيان يلعب أو إلى المدرسة يذهب. إنها الأم التي طعامك درها، وبيتك حجرها، ومركبك يداها وصدرها وظهرها، تحيطك وترعاك، وتجوع لتشبعك أنت، وتسهر لتنام أنت، فهي بك رحيمة وعليك شفيقة. إنها الأم التي تعيش لولدها ومعه، وهي تنتظر الأيام الحاسمة في حياتها وحياته حين ينجح ويكسب ويتزوج هل يكون لها في ولدها نصيب أم كل جهودها وتضحياتها وآمالها تذهب أدراج الرياح؟! وهو كذلك حديث عن الأب الذي من أجلك يكدّ ويشقى لراحتك، يروح ويسعى ويدفع عنك صنوف الأذى، ينتقل في الأسفار يجوب ما ترى، كم من والد تمثل مع الشاعر قائلاً: غذوتك مولـوداً وعلتك يافعـاً تعل بما أجنـي عليـك وتنهل إذا ليلة ضـافتك بالسقم لم أبت لسـقمك إلا سـاهـراً أتململ كأني أنا المطروق دونك بالذي طرقت به دوني فعيناي تهمل تخاف الردى نفسي عليك وإنها لتعلم أن الموت وقـت مؤجل فلما بلغت السـن والغاية التي إليهـا مدى ما فيك كنت أؤمل جعلت جزائي غلظـة وفظاظة كأنـك أنت المنعـم المتفضل فليتك إذ لم تـرع حق أبوتـي فعلت كما الجار المجاور يفعل ___________________________________________
[ |